هوايتي: جمع متابعين بتوِتَر

محمد وسارة أخ وأخت في المرحلة المتوسطة ولكل منهما شغفه واهتماماته. فمحمد يعشق الرياضة وخصوصا كرة السلة وسارة تعشق العلوم والتكنولوجيا وكلاهما يرغب في ممارسة هوايات في ما يحبونه ودائما ما يلح محمد على أبويه بأن يشركاه بالنادي الرياضي وبالمقابل سارة تود الإشتراك بالنادي العلمي ولكن رد أبويهما دائما على هذا الإلحاح بأن المذاكرة أهم من تلك الأمور، هذا غير أنهم يقطنون في منطقة بعيدة يصعب على أبويهما نقلهما كل يوم إلى هذه النوادي.

بعد طول إلحاح استطاع محمد اقناع أبويه في الاشتراك بالنادي والتنقل إليه عن طريق الباص، ولأنه يسكن بعيدا عن النادي يكون أول من يمر عليه الباص في تمام الثالثة عصرا ثم بقية الأولاد إلى أن يصل إلى النادي بعد ساعة ونصف ولا ينتهي التمرين ويرجع إلى البيت إلا وأصبحت الساعة الثامنة مساءً، يكون حينها محمد منهكا لا يستطيع مذاكرة دروسه وحل واجباته، وفي خلال رحلة الباص الطويلة يخالط محمد أولاد يسبقونه عمرا ويختلفون عنه في التربية فيبدأ بسماع الألفاظ البذيئة  والتصرفات القبيحة من البعض ولا تمر فترة طويلة إلا ويأتي من الأولاد من يتحرش به ويؤذيه، فيكره محمد هذه التجربة ويفضل حينها البقاء في المنزل.

محمد وسارة ليسا حالة استثنائية فهما موجودان في كل بيت “وترك”. لكن أين الخلل وكيف نستطيع الحل؟

نعم، لدينا مؤسسات تدعم المواهب والهوايات تُرصد لها ميزانيات كبيرة وموارد وفيرة ولكن هناك خلل كبير في مدى وصول هذه الفرص بشكل عادل لكل محمد وسارة في البلد باختلاف ظروفهم الاجتماعية. يجب علينا بداية أن نعيد تقييم أهمية ودور الهواية والنشاط في تنمية الفرد والدفع بهذه الأمور بأن تكون جزء أساسي من منظومة التعليم في المدارس. ومن هنا أقول أن المدارس هي المكان المثالي لاحتضان النشاط وعليه يجب تحويل النوادي الرياضية والعلمية من كونها الراعي الحصري لهذه الأنشطة إلى مؤسسات تساعد في تهيئة البنية اللازمة لإقامة الأنشطة في المدارس من ملاعب وصالات ومختبرات، كذلك توفير الكوادر البشرية وتدريبها، وتوفير المواد والمناهج والمعدات اللازمة ومن ثم تظل مراكز هذه الأندية موجودة تستقبل النخبة والمحترفين من هؤلاء الشباب. كما تستطيع جهات آخرى المشاركة في تهيئة منشآت المدارس ومن ثم الاستفاد منها تجاريا بعد انتهاء المدرسة والطلاب في الفترة المسائية أو خلال عطلة نهاية الاسبوع.

عندما يكون النشاط في المدرسة تحت مراقبة من المدرسين والاخصائيين يطمئن أولياء الأمور على وجود أبنائهم هناك بعكس ذهابهم ووجودهم بالأندية الرياضية مثلا. المدرسة تكون قريبة من منزل الطالب عادةً ولا يحتاج حينها لأي مواصلات إضافية فهو يستطيع البقاء في المدرسة بعد انتهاء الدوام للمشاركة في نشاطه.

الجدير بالذكر أن وزارة التربية تطبق فكرة النشاط خلال الدوام الصباحي منذ عقود وتتفاوت نسبة فشل هذه الأنشطة من فترة لأخرى لأسباب، منها أن الإدارة وكثير من المدرسين ينظرون للنشاط على أنه موضوع ثانوي لا يستحق المتابعة الجدية والاهتمام  والبعض الآخر يراه فرصة للراحة وترك الأطفال “يلعبون” فلا وجود لمقياس علمي وموضوعي سليم لانتاجية ومخرجات هذه الأنشطة لأنها “غير مهمة” بنظر المسؤولين. وإن كان من المدرسين من يريد الانجاز يواجه بمشاكل قلة الميزانية ونقص المنشآت فيضطر إلى الدفع من مرتبه الخاص، ناهيك عن الاحباط الذي يصيب المدرسين المتميزين عندما يرون أن حالهم ليس أحسن من غيرهم “الكسول”.

من جهة أخرى، لا توجد آلية واضحة ومرسومة لهذه الأنشطة من أناس خبراء بهذا الشأن فتصبح إدارتها عشوائية، فتجد الطلاب مجبرين على اختيار أنشطة خارج ميولهم وهنا يتحول من كونه نشاط يفترض به أن يجلب المرح العلمي للطفل إلى مادة جافة مملة بالنسبة له، يقوم المعلم بالتلقين فيها بشكل منفر، فكيف نأمل الإبداع؟ وحتى إن انخرط الطالب في نشاط يحبه لا يلقى التدريب السليم كأن يطلب المدرس من طلاب نشاط الصحافة أن يذهبوا لإجراء مقابلة بدون تعليمهم الأسس السليمة والأخذ بيدهم، زد على ذلك وجود أنشطة سطحية ومضيِعة للوقت كبيع العصير و”البفك” في المقصف. هناك فرصة هائلة لتحسين هيكل النشاط المدرسي أثناء الفترة الصباحية بشكل أكثر جدية ومهنية. هل تعلم عزيزي القارئ أن طلاب الصف الأول والثاني ابتدائي غير مشمولين بهذا “النشاط”؟ كفانا تصغير لقدرة الطفل في التعلم.

على وزارة التربية  أن تحدد مواد ومناهج واضحة لهذه الأنشطة (مثل برمجة تطبيقات الهواتف، مبادئ الالكترونيات، الحياكة، ميكانيكا سيارات، أسس الكتابة على لوحة المفاتيح، رسم كاريكاتير، تصوير، مسرح، خطابة، مناظرات، الخ) وأن توفر التدريب السليم لمدرسي هذه الأنشطة  مع توفير المعدات والأجهزة اللازمة لذلك. كما على المختصين أن يرسموا الحدود المنهجية لكل مادة خلال الفصل من تعليم للأساسيات مرورا بتطبيقات عملية منظمة وانتهاءا بمشروع طلابي. ويقيَّمون المدرسين على أساسها تماما مثل تقييم بقية المواد النظرية إن لم يكن بشكل أكثر جدية، وهكذا، فمع نهاية العام الدراسي يكون الطالب انتهى من مادتين نشاط أو أكثر وتعلم شيء مفيد فعلا. حتى حصص التربية البدنية تحتاج تطوير كبير وتنويع في الرياضات عن كرة القدم وينطبق عليها ما ينطبق على بقية الأنشطة. مع ذلك تظل هناك أنشطة يهتم فيها عدد أقل من الطلبة وتحتاج اهتمام وتطوير أكثر بعد الدوام المدرسي. هناك إذا فرق بين الأنشطة الصباحية والمسائية، الأولى تركز على تنويع المهارات والثانية على تنمية الهوايات.

هناك عنصر آخر يمكن ويجب إشراكه في النشاط المدرسي (المسائي) وهم طلبة الجامعة، نعم طلبة الجامعة بإمكانهم العمل بشكل جزئي لدعم الأنشطة المدرسية فهم أقرب عمرا وفهما لطلبة المدارس ومازالوا مفعمين بالنشاط والأمل في الإنجاز والتغيير. ينفعهم هذا الأمر بقدر ما ينفع طلبة المدارس في تطوير خبراتهم قبل التخرج. فأما عن كيفية تنظيم مشاركة الطلبة فيترك هذا الأمر للجامعات نفسها، إن أرادت اعطاء وحدات دراسية مقابل هذا العمل أو مرتب جزئي، الخ.

في السابق كانت هناك عوائق تحيل دون توفير المختبرات والمراكز العلمية في المدارس  كالكلفة العالية للمعدات والأجهزة العلمية أوندرة المدربين. أما الآن ومع تطور التقنية وانخفاض سعرها بشكل كبير أصبحت في متناول الجميع، فمن الممكن توفير كمية كبيرة من أدوات التعليم في جميع المدارس وبمبلغ بسيط. على سبيل المثال، شركة TI- Texas Instruments  توفر لوح الكتروني مع معالج قابل للبرمجة بدينار ونصف فقط وعلى هذه القطعة يمكن تعليم الطلبة على أساسيات برمجة الالكترونيات، ومن يعلمهم ذلك؟ طلبة الهندسة الكهربائية والكمبيوتر من الجامعات كخيار. وهناك روبوت شركة LEGO  الشهيرة الذي تقوم على أساسه مسابقات عديدة (الصورة الأسفل) في شتى أنحاء العالم بين طلبة المدارس، وغيره من الأجهزة والأدوات.


باحتضان المدارس للأنشطة يمكن حينها تنظيم بطولات ومنافسات رياضية وعلمية بشكل أسهل ودوري بين مدارس المحافظة التعليمية، وهذه المنافسات لوحدها لها تأثير إيجابي كبير في تكوين الولاء والفخر عند الطالب لمدرسته بدلا من ناديه ولهذا عائد جيد من ناحية التحصيل العلمي. تستطيع كل مدرسة كذلك اختيار شعار رياضي محبب للطلبة كما هو معمول في المدارس الأمريكية مثلا وتوزع جوائز مادية ورمزية للفائزين ومدربيهم ومعلميهم كذلك.


مالكوم جلادول في كتابه Outliers يذكر قصة مفادها أن بيل غيتس إنسان ذكي نعم ولكن لم يكن لينجح هذا النجاح لو لم يولد في السنة المناسبة ومن عائلة غنية في مدينة سياتل. المدرسة الخاصة التي كان يذهب لها بيل كانت تمتلك كمبيوتر خاص بها، وهذا شيء نادر جدا في عام 1975. بيل كان يقضي وقتا طويلا على هذا الجهاز في مدرسته وقت لم يوفر لغيره وبذلك كان أعلم وأخبر من غيره بكثير عندما استطاع أن ينشئ شركة مايكروسوفت التي غيرت العالم.

أما محمد وسارة فهما الآن يستمتعان بقضاء وقت فراغمها بتجميع متابعين على توِتَر

————

شكر خاص للمُدرِّسة المبدعة بشاير الوزان على مساهمتها القيمة في هذا المقال.

علي