قراءة في كتاب أسلحة التعليم شامل لجون غاتو

هل نحتاج للمدرسة؟

لا يقصد التعليم ولكن المدرسة تحديدا، هل نحتاج إلى نظام إلزامي يشمل ست حصص باليوم، خمسة أيام في الأسبوع، لمدة 9 أشهر بالسنة على مدى 12 سنة؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي يطرحه غاتو في كتابه، أسلحة التعليم الشامل.

غاتو مدرس متقاعد، قضى 30 سنة بالتدريس وحاز على جائزة أفضل مدرس في مدينة نيويورك لثلاث مرات وعلى أفضل مدرس في ولاية نيويورك مرة. حاول تطبيق أساليب غير تقليدية في تدريسه وحورب على أساسها كثيرا من قبل الإدارات المدرسية المختلفة التي عمل معها. له مؤلفات عدة ينتقد فيها النظام المدرسي الإلزامي.

يشير جون إلى أمثلة عدة من المبتكرين والصناع في التاريخ الغربي من الذين لم يسلكوا الطريق المدرسي في التعليم ورأوا فيه مضيعة لوقتهم، فقد وجدوا طرق أخرى للتعلم أكثر نفعا وفعالية. فالمدرسة حسب رأيه، وضعت كسلاح من السلطة والنخبة للتحكم في كيفية نشأة العامة وأفكارهم. فعن طريق المدرسة يمكن غرس المفاهيم والقواعد التي تريد السلطة أن تأسسها في المجتمع وتخلق منهم شعب متماثل متجانس مطيع وخانع.

يرى جون أن المدرسة تشوش أذهان الطلبة، فتقدم لهم معلومات غير مترابطة، عليهم حفظها ومن ثم نسيانها، فهي لا تختلف عن التلفاز في كونها مجرد أداة لتعبة وقت الطفل. والمدرسة بامتدادها المؤسسي وما يسندها من بنية ثقافية وخبراء بالآلاف، تخلق فكرة أو إيهام كاذب بأنها، أي المدرسة، أدرى بمصلحة الطالب التعليمية، فيسلّم الطالب والمجتمع مسؤوليته الشخصية في تعليم نفسه إلى المؤسسة المدرسية، ويعتمد عليها اعتماد كامل لتكون هي المصدر الوحيد في تلقي المعلومة، ولا على الطالب أن يسعى أن يستزيد من العلم خارج إطار المنهج.

ويرى أنها تقتل فيهم الاستقلالية الفكرية والعاطفية. فعندما تفصل المدرسة الطلبة حسب مادة التدريس، والفئة العمرية، وامتحانات مستمرة لتصنيفهم، وطرق أخرى غير مباشرة، لا يمكن بعدها، بعد أن يتم فصل وتجزئة الإنسان في طفولته، أن يتمكن من الاندماج مرة أخرى في كائن مستقل، خطر على السلطة والنظام.

كما أنها تزرع فيهم ثقة وهمية تلزم تدعيم مستمر من النظام عن طريق اختبارات ومراحل قياس متكررة، والكل يعلم أن امتحانات القياس والاختبارات ليست مقياس جيد فها هم قادة المجتمع والكثير من المبتكرين لم يحصلوا بالضرورة على أعلى الدرجات.

يشير جاتو للمؤلف أليكساندر انجلس وكتابه Principles of Secondary Education الذي يعدد المهام الحقيقية الخفية للمدرسة في العصر الحديث، منها:

التكيف الاجتماعي، عن طريق غرس مفاهيم وعادات ثابتة للتعامل مع السلطة وتهميش دور التفكير النقدي.

التماثل الاجتماعي، عن طريق مطابقة النشء وتحويلهم إلى نسخ متشابهة. فالبشر المتطابقين يسهل التنبؤ بتصرفاتهم وعليه يسهل استغلال طاقتهم وعملهم.

التوجيه الاجتماعي. فعن طريق المدرسة يحدد الدور الاجتماعي المناسب للفرد وليس له قرار مطلق في تغيير نتاج هذا الأمر.

الوظيفة الانتقائية، فكما هي نظرية داروين في “البقاء للأفضل”، يأتي دور المدرسة في تمييز الأفضل وخلق نظام موازي لنظرية التطور في الطبيعة، لكن اجتماعي.

المدرسة تقوم بدور ممتاز في تحويل الأطفال، إلى أطفال

يقول جاتو، أن الفلاسفة من أفلاطون إلى جون جاك روسو، علموا بأن جمع الأطفال مع بعضهم من عمر معين، وتجريدهم من المسؤولية والاستقلالية، وتشجيعهم على تطوير عواطف تافهة من طمع، وغيرة وخوف، يمكن أن يبلغوا سنا لا عقلا. ويقول، أن النظام المدرسي الإلزامي مدد عمر الطفولة ما بين سنتين إلى ست سنوات. فطبيعي أن نسمع عن قصص شخصيات بارزة في التاريخ القدم لم تتجاوز أعمارهم ال 14 سنة.

يسرد الكاتب أمثلة كثيرة عن شخصيات نجو ونجحوا خارج مسار المدرسة الإلزامية، كما يعطي نبذة تاريخية عن نشأة النظام المدرسي الحديث وكيف تحول ليصبح آلة مؤسسية عملاقة لا يمكن زعزعتها.

ملاحظات ونقد في الكتاب

الكتاب ثري ومهم قراءته للمهتمين بالشأن التعليمي ولكل أولياء الأمور حقيقة، فهو يقوم بتذكيرنا بألا نسلم عقلنا ومسؤولية تعلمنا للمؤسسة المدرسية وافتراض أن لها الملكية الأعلى في مصلحة نشأتنا. ومن الضروري أن نتذكر أن مسؤولية تعلمنا وأبنائنا تقع علينا حتى لو سلمنا وقتنا للنظام المدرسي الإلزامي.

لا أرى أنه يمكن الاستغناء عن المدرسة وهنا أختلف مع الكاتب. المدرسة على أنها بعيدة جدا عن النظام المثالي إلا أنها ساهمت في تغيير حياة كثير من البشر بشكل إيجابي في أنحاء هذا العالم. فهي توفر بيئة أمنة وهادئة لأطفال قد لا يملكون هذه البيئة في بيوتهم. المدرسة قد يكون لها دور في الاجبار على التجربة قبل الحكم. مثلا، المدرسة قد تجبر طالب على تعلم مادة معينة كالفيزياء، قد لا يرغب بتجربتها بداية ولكن بعد التجربة ممكن أن يتغير رأيه ويتبنى على أساس هذه التجربة مهنة حياته. هل يمكن أن نضمن تعرض الطفل لتجارب تعليمية مختلفة وواسعة خارج البيئة المدرسية؟ نعم هناك من الأطفال من سيسعى بشكل أفضل وأجدى أن يتعلم ذاتيا في غياب النظام المدرسي ولكن ماذا عن الفئة الأخرى التي قد لا تسعى لذلك ولا تجد الحرص والتوعية الكافية من البيئة الاجتماعية والمنزلية؟

الحل يكمن في تحويل البيئة المدرسية إلى بيئة تجارب رحبة وواسعة على قدر الإمكان، تذكره وترغبه بالتعلم ولكن بلا تلقين وفرض وترهيب، بل عن طريق توفير الوسائل المختلفة العملية التجريبية، والتي تقنع ولا ترهب الطلاب بضرورة تعلم هذه النظرية أو تلك. ما فائدة دروس اللغة المستمرة ل12 سنة إن لم يخرج الطالب من هذا النظام وهو محب للقراءة؟ ما فائدة حفظ تواريخ وأسامي أحداث تاريخية تنسى في حينها، من غير نقاش وسرد التاريخ القصصي الجميل في أحداث التاريخ؟ ما فائدة تعلم أسس رياضيات بشكل إلزامي أكثر من معادلات الجبر الأساسية؟ وإن كانت الرياضيات مهمة، فلما لا نعلم أسس التفكير الإحصائي والذي يعتبر أكثر نفعا في حياة الفرد الشخصية والاجتماعية؟ هل هي أقل ضرورة من تعلم التفاضل والتكامل؟ لما لا نجرؤ كأفراد مجتمع على نقد محتوى المناهج، خارج العراك الديني فقط؟

مهارة كسولة

انتشر تعليق عن وزيرة الشؤون هند الصبيح، ادعى أنها قالت بأن الكويتيون عمالة غير ماهرة وأنهم عالة على سوق العمل. في الحقيقة هي لم تقل ذلك. بل قالت بأن هناك مشاريع كبيرة بالبلد تحتاج إلى عمالة – غير ماهرة – في وظائف لن يقبل بها الكويتيون. ذكرت هذه النقطة في سياق الحديث عن صعوبة تعديل التركيبة السكانية والحاجة للعمل على مدة 15-20 سنة لتغيير نسبة الكويتيين من أقلية إلى أغلبية. وذكرت أمور عدة أخذتها بالاعتبار منها بيئة العمل والتراخيص، منها سماسرة العمالة، منها عدد العمالة العالية في المشاريع، منها تغيير مفهوم العمل بالخاص وغيره.

بغض النظر عما قالت الوزيرة أو لم تقله، بودي طرح بعض النقاط في الموضوع.

السؤال الأول – هل الكويتيون عمالة ماهرة؟

للإجابة على هذا السؤال يجب أن نفرق أولا بين المهارة وبين القدرة. عند القول بأن الكويتي غير ماهر فهذا لا يعني أنه كسول أو أنه غير قادر على اكتساب المهارة. الكويتي مخلوق كبقية البشر متى ما اجتهد وتدرب وتعلم بشكل كافي، اكتسب وتمرس في المهارة. فهل الكويتي تمرّس في المهن والأعمال اليدوية؟ لا أعتقد أن الكثير يختلف في الجواب، فإذا من الطبيعي أن تكون نسبة اكتساب المهارة بينهم ضعيفة، ولكن مرة أخرى هذا لا يعني عدم “قدرتهم” على اكتساب المهارة. فالكويتي لم تضطره الحاجة ولم توجد البيئة اللازمة التي تحفزه على الأعمال اليدوية والحرفية فمن الطبيعي ألا يستثمر وقته فيها. هل هناك استثناءات؟ بالطبع ولكن الكلام هنا عن المستوى العام، على مستوى الدولة، على مستوى أكثر من مليون فرد.

وينطبق هذا على الخبرات والكفاءات في المجال المهني، فنسمع دائما عبارة أن البلد “مليااان كفاءات”، وهذا مخالف للمنطق. أولا، الكفاءة ليست مقياس مطلق ولكن تقاس مقابل مهنة ووظيفة ومعايير أداء ومعرفة وعمق خبرة معينة. فهل لدينا الأليات السليمة لقياس كل هذه الخواص، لكي نخرج بهذا الاستنتاج العام؟ الأمر الآخر، كيف تتكون الخبرات والكفاءات في بيئة عمل ضعيفة لا تشجع على المثابرة أو التعاون أو التطور المهني؟  كيف نقول بأن البلد “مليان” كفاءات قيادية وهناك ضعف عام في مستوى القادة وفي أداء المؤسسات والمشاريع – أي أين الفرصة، أين المدرسة التي تكونت فيها هذه الكفاءات التي نشير إليها؟ نعم هناك استثناءات وهناك ما يسمى – بجزر كفاءات – لكنها مجرد استثناءات وتحتاج دراية وتنمية بلا شك. مرة أخرى، القدرة على اكتساب مهارة وخبرة وكفاءة شيء، ووجودهم شيء آخر.

من الضروري أن نكون صريحين مع أنفسنا وامكانياتنا، فعندها فقط سنكون جادين بالبحث عن البيئة المناسبة لنا للتعلم واكتساب الخبرة.  والأهم أن يكون طموحنا دائما للأفضل وألا يمتلكنا الرضى عن النفس بهذه السهولة.

ما العمل وهل نثق بتوجه الحكومة وجديتها في اصلاح خلل التركيبة السكانية؟

منذ أن وعينا على الدنيا ونحن نسمع تصاريح الحكومة، بأنها ستشجع العمل بالقطاع الخاص وأنها ستشدد على تجار الإقامات والعمالة الهامشية وتشجع الشباب على العمل المهني الخ. نفس التصاريح لكن من أفواه مختلفة، ومرة تأتي مبادرات إيجابية تتبعها سياسات كارثية، تمحي أثرها كمحي مد البحر لبيوت التراب. لعلهم جادين أكثر هذه المرة، الله أعلم. لكن أفضّل البقاء في موقع الناقد الحذر إلى أن أرى تغيير مستدام على أرض الواقع.

لكن إن كنت متأكد من شيء فهو أن تعاطي الحكومة حتى بتصريحاتها الوردية، هو تعاطي سطحي لمشكلة التركيبة السكانية، لأن من جذور المشكلة الرئيسية، ومما لا يرغب أحد الحديث فيه، هو الفروق بالمرتبات بين المواطن وغيره وبين جنسية وأخرى. “خلكم معاي شوي” ولننظر لسلبيات إمكانية اتكال سوق العمل على عمالة رخيصة، اختصرها بنقطتين رئيسيتين:

عدم اهتمام سوق العمل بتدريب وتطوير مهارات العمالة الوطنية والحفاظ عليها

فمع وجود إمكانية توظيف أيادي عاملة رخيصة، لا توجد حوافز اقتصادية ولا منطق ربحي للشركات بأن يدفعوا مرتبات أكثر مع مخاطر تسرب موظفين أكبر. فالعامل الوافد الرخيص سهل ضمان استمراره مع رخص مرتبه. وقوانين دعم العمالة وأخرى لنسب التكويت اتضح أنها غير مجدية وسهل على الشركات الالتفاف حولها. ولكن إن كان استقطاب الوافد مكلف سيعني ذلك أن المواطن ستكون له قيمة أكبر ومهارة الوافد المنتقاة ستكون أعلى كذلك.

ضعف الأداء المهني والحرفي والإداري

مع إمكانية الاتكال على عمالة رخيصة، تنتفي الحاجة إلى تحسين كفاءة العمل واسلوبه. تحتاج إنتاجية أكثر؟ بسيطة، ارمي عليها درزن عمال. تحتاج تنظيف شوارع؟ لما تستثمر بمعدات وآلات تنظيف مكلفة يشغلها فني واحد أو اثنين، بسيطة، وظف آلاف العمالة الرخيصة بالشارع. تحتاج كراجات سيارات؟ بسيطة، صف عدد غير محدود من المحلات على شارع واحد وعين بها عمالة غير ماهرة تتعلم المهارة على حساب تخريب سيارات “خلق الله”، وكذلك في المشاريع الإنشائية وغيره من القطاعات. لكن عندما تكون الأيادي العاملة ثمينة، تفكر الشركات مليا بإدارة مواردها البشرية، فصاحب مشروع الإنشاء سيفكر مليا في خطة الإنشاء ويعمل عليها بكل جدية لأن التأخير سيكلفه الكثير، ليس عن طريق مخالفات حكومية لا تطبق، ولكن عن طريق كلفة مباشرة عليه. المواطن الذي يود العمل بمحل اصلاح أجهزة الكترونية لن تنافسه محلات تكلفها عمالتها مبالغ زهيدة.

هناك أساليب وسياسات كثيرة يمكن تطبيقها، ونسأل الوزيرة، لما تعتمد الدولة ومواطنيها على عمالة بهذا العدد أصلا؟ لما تعتمد المشاريع على هذا العدد من العمالة – الغير ماهرة؟ أليس الأولى زيادة كفاءة العمل وإدارة العمالة، وطنية كانت أم غيرها، للارتقاء بنوعية ومكانة المهن المختلفة، قبل تبرير الوضع بعدم رغبة المواطن بالعمل على هذه المهن؟ هذه مهن بوضعها الحالي وما يقابلها من مرتبات ومزايا لا يود أي أحد العمل بها أصلا ولولا حاجة هؤلاء العمال الماسة لما قبلوا بها أساسا. وهذا إنما هو استغلال بشع لحاجة فقير.

هوايتي: جمع متابعين بتوِتَر

محمد وسارة أخ وأخت في المرحلة المتوسطة ولكل منهما شغفه واهتماماته. فمحمد يعشق الرياضة وخصوصا كرة السلة وسارة تعشق العلوم والتكنولوجيا وكلاهما يرغب في ممارسة هوايات في ما يحبونه ودائما ما يلح محمد على أبويه بأن يشركاه بالنادي الرياضي وبالمقابل سارة تود الإشتراك بالنادي العلمي ولكن رد أبويهما دائما على هذا الإلحاح بأن المذاكرة أهم من تلك الأمور، هذا غير أنهم يقطنون في منطقة بعيدة يصعب على أبويهما نقلهما كل يوم إلى هذه النوادي.

بعد طول إلحاح استطاع محمد اقناع أبويه في الاشتراك بالنادي والتنقل إليه عن طريق الباص، ولأنه يسكن بعيدا عن النادي يكون أول من يمر عليه الباص في تمام الثالثة عصرا ثم بقية الأولاد إلى أن يصل إلى النادي بعد ساعة ونصف ولا ينتهي التمرين ويرجع إلى البيت إلا وأصبحت الساعة الثامنة مساءً، يكون حينها محمد منهكا لا يستطيع مذاكرة دروسه وحل واجباته، وفي خلال رحلة الباص الطويلة يخالط محمد أولاد يسبقونه عمرا ويختلفون عنه في التربية فيبدأ بسماع الألفاظ البذيئة  والتصرفات القبيحة من البعض ولا تمر فترة طويلة إلا ويأتي من الأولاد من يتحرش به ويؤذيه، فيكره محمد هذه التجربة ويفضل حينها البقاء في المنزل.

محمد وسارة ليسا حالة استثنائية فهما موجودان في كل بيت “وترك”. لكن أين الخلل وكيف نستطيع الحل؟

نعم، لدينا مؤسسات تدعم المواهب والهوايات تُرصد لها ميزانيات كبيرة وموارد وفيرة ولكن هناك خلل كبير في مدى وصول هذه الفرص بشكل عادل لكل محمد وسارة في البلد باختلاف ظروفهم الاجتماعية. يجب علينا بداية أن نعيد تقييم أهمية ودور الهواية والنشاط في تنمية الفرد والدفع بهذه الأمور بأن تكون جزء أساسي من منظومة التعليم في المدارس. ومن هنا أقول أن المدارس هي المكان المثالي لاحتضان النشاط وعليه يجب تحويل النوادي الرياضية والعلمية من كونها الراعي الحصري لهذه الأنشطة إلى مؤسسات تساعد في تهيئة البنية اللازمة لإقامة الأنشطة في المدارس من ملاعب وصالات ومختبرات، كذلك توفير الكوادر البشرية وتدريبها، وتوفير المواد والمناهج والمعدات اللازمة ومن ثم تظل مراكز هذه الأندية موجودة تستقبل النخبة والمحترفين من هؤلاء الشباب. كما تستطيع جهات آخرى المشاركة في تهيئة منشآت المدارس ومن ثم الاستفاد منها تجاريا بعد انتهاء المدرسة والطلاب في الفترة المسائية أو خلال عطلة نهاية الاسبوع.

عندما يكون النشاط في المدرسة تحت مراقبة من المدرسين والاخصائيين يطمئن أولياء الأمور على وجود أبنائهم هناك بعكس ذهابهم ووجودهم بالأندية الرياضية مثلا. المدرسة تكون قريبة من منزل الطالب عادةً ولا يحتاج حينها لأي مواصلات إضافية فهو يستطيع البقاء في المدرسة بعد انتهاء الدوام للمشاركة في نشاطه.

الجدير بالذكر أن وزارة التربية تطبق فكرة النشاط خلال الدوام الصباحي منذ عقود وتتفاوت نسبة فشل هذه الأنشطة من فترة لأخرى لأسباب، منها أن الإدارة وكثير من المدرسين ينظرون للنشاط على أنه موضوع ثانوي لا يستحق المتابعة الجدية والاهتمام  والبعض الآخر يراه فرصة للراحة وترك الأطفال “يلعبون” فلا وجود لمقياس علمي وموضوعي سليم لانتاجية ومخرجات هذه الأنشطة لأنها “غير مهمة” بنظر المسؤولين. وإن كان من المدرسين من يريد الانجاز يواجه بمشاكل قلة الميزانية ونقص المنشآت فيضطر إلى الدفع من مرتبه الخاص، ناهيك عن الاحباط الذي يصيب المدرسين المتميزين عندما يرون أن حالهم ليس أحسن من غيرهم “الكسول”.

من جهة أخرى، لا توجد آلية واضحة ومرسومة لهذه الأنشطة من أناس خبراء بهذا الشأن فتصبح إدارتها عشوائية، فتجد الطلاب مجبرين على اختيار أنشطة خارج ميولهم وهنا يتحول من كونه نشاط يفترض به أن يجلب المرح العلمي للطفل إلى مادة جافة مملة بالنسبة له، يقوم المعلم بالتلقين فيها بشكل منفر، فكيف نأمل الإبداع؟ وحتى إن انخرط الطالب في نشاط يحبه لا يلقى التدريب السليم كأن يطلب المدرس من طلاب نشاط الصحافة أن يذهبوا لإجراء مقابلة بدون تعليمهم الأسس السليمة والأخذ بيدهم، زد على ذلك وجود أنشطة سطحية ومضيِعة للوقت كبيع العصير و”البفك” في المقصف. هناك فرصة هائلة لتحسين هيكل النشاط المدرسي أثناء الفترة الصباحية بشكل أكثر جدية ومهنية. هل تعلم عزيزي القارئ أن طلاب الصف الأول والثاني ابتدائي غير مشمولين بهذا “النشاط”؟ كفانا تصغير لقدرة الطفل في التعلم.

على وزارة التربية  أن تحدد مواد ومناهج واضحة لهذه الأنشطة (مثل برمجة تطبيقات الهواتف، مبادئ الالكترونيات، الحياكة، ميكانيكا سيارات، أسس الكتابة على لوحة المفاتيح، رسم كاريكاتير، تصوير، مسرح، خطابة، مناظرات، الخ) وأن توفر التدريب السليم لمدرسي هذه الأنشطة  مع توفير المعدات والأجهزة اللازمة لذلك. كما على المختصين أن يرسموا الحدود المنهجية لكل مادة خلال الفصل من تعليم للأساسيات مرورا بتطبيقات عملية منظمة وانتهاءا بمشروع طلابي. ويقيَّمون المدرسين على أساسها تماما مثل تقييم بقية المواد النظرية إن لم يكن بشكل أكثر جدية، وهكذا، فمع نهاية العام الدراسي يكون الطالب انتهى من مادتين نشاط أو أكثر وتعلم شيء مفيد فعلا. حتى حصص التربية البدنية تحتاج تطوير كبير وتنويع في الرياضات عن كرة القدم وينطبق عليها ما ينطبق على بقية الأنشطة. مع ذلك تظل هناك أنشطة يهتم فيها عدد أقل من الطلبة وتحتاج اهتمام وتطوير أكثر بعد الدوام المدرسي. هناك إذا فرق بين الأنشطة الصباحية والمسائية، الأولى تركز على تنويع المهارات والثانية على تنمية الهوايات.

هناك عنصر آخر يمكن ويجب إشراكه في النشاط المدرسي (المسائي) وهم طلبة الجامعة، نعم طلبة الجامعة بإمكانهم العمل بشكل جزئي لدعم الأنشطة المدرسية فهم أقرب عمرا وفهما لطلبة المدارس ومازالوا مفعمين بالنشاط والأمل في الإنجاز والتغيير. ينفعهم هذا الأمر بقدر ما ينفع طلبة المدارس في تطوير خبراتهم قبل التخرج. فأما عن كيفية تنظيم مشاركة الطلبة فيترك هذا الأمر للجامعات نفسها، إن أرادت اعطاء وحدات دراسية مقابل هذا العمل أو مرتب جزئي، الخ.

في السابق كانت هناك عوائق تحيل دون توفير المختبرات والمراكز العلمية في المدارس  كالكلفة العالية للمعدات والأجهزة العلمية أوندرة المدربين. أما الآن ومع تطور التقنية وانخفاض سعرها بشكل كبير أصبحت في متناول الجميع، فمن الممكن توفير كمية كبيرة من أدوات التعليم في جميع المدارس وبمبلغ بسيط. على سبيل المثال، شركة TI- Texas Instruments  توفر لوح الكتروني مع معالج قابل للبرمجة بدينار ونصف فقط وعلى هذه القطعة يمكن تعليم الطلبة على أساسيات برمجة الالكترونيات، ومن يعلمهم ذلك؟ طلبة الهندسة الكهربائية والكمبيوتر من الجامعات كخيار. وهناك روبوت شركة LEGO  الشهيرة الذي تقوم على أساسه مسابقات عديدة (الصورة الأسفل) في شتى أنحاء العالم بين طلبة المدارس، وغيره من الأجهزة والأدوات.


باحتضان المدارس للأنشطة يمكن حينها تنظيم بطولات ومنافسات رياضية وعلمية بشكل أسهل ودوري بين مدارس المحافظة التعليمية، وهذه المنافسات لوحدها لها تأثير إيجابي كبير في تكوين الولاء والفخر عند الطالب لمدرسته بدلا من ناديه ولهذا عائد جيد من ناحية التحصيل العلمي. تستطيع كل مدرسة كذلك اختيار شعار رياضي محبب للطلبة كما هو معمول في المدارس الأمريكية مثلا وتوزع جوائز مادية ورمزية للفائزين ومدربيهم ومعلميهم كذلك.


مالكوم جلادول في كتابه Outliers يذكر قصة مفادها أن بيل غيتس إنسان ذكي نعم ولكن لم يكن لينجح هذا النجاح لو لم يولد في السنة المناسبة ومن عائلة غنية في مدينة سياتل. المدرسة الخاصة التي كان يذهب لها بيل كانت تمتلك كمبيوتر خاص بها، وهذا شيء نادر جدا في عام 1975. بيل كان يقضي وقتا طويلا على هذا الجهاز في مدرسته وقت لم يوفر لغيره وبذلك كان أعلم وأخبر من غيره بكثير عندما استطاع أن ينشئ شركة مايكروسوفت التي غيرت العالم.

أما محمد وسارة فهما الآن يستمتعان بقضاء وقت فراغمها بتجميع متابعين على توِتَر

————

شكر خاص للمُدرِّسة المبدعة بشاير الوزان على مساهمتها القيمة في هذا المقال.

علي