مهارة كسولة

انتشر تعليق عن وزيرة الشؤون هند الصبيح، ادعى أنها قالت بأن الكويتيون عمالة غير ماهرة وأنهم عالة على سوق العمل. في الحقيقة هي لم تقل ذلك. بل قالت بأن هناك مشاريع كبيرة بالبلد تحتاج إلى عمالة – غير ماهرة – في وظائف لن يقبل بها الكويتيون. ذكرت هذه النقطة في سياق الحديث عن صعوبة تعديل التركيبة السكانية والحاجة للعمل على مدة 15-20 سنة لتغيير نسبة الكويتيين من أقلية إلى أغلبية. وذكرت أمور عدة أخذتها بالاعتبار منها بيئة العمل والتراخيص، منها سماسرة العمالة، منها عدد العمالة العالية في المشاريع، منها تغيير مفهوم العمل بالخاص وغيره.

بغض النظر عما قالت الوزيرة أو لم تقله، بودي طرح بعض النقاط في الموضوع.

السؤال الأول – هل الكويتيون عمالة ماهرة؟

للإجابة على هذا السؤال يجب أن نفرق أولا بين المهارة وبين القدرة. عند القول بأن الكويتي غير ماهر فهذا لا يعني أنه كسول أو أنه غير قادر على اكتساب المهارة. الكويتي مخلوق كبقية البشر متى ما اجتهد وتدرب وتعلم بشكل كافي، اكتسب وتمرس في المهارة. فهل الكويتي تمرّس في المهن والأعمال اليدوية؟ لا أعتقد أن الكثير يختلف في الجواب، فإذا من الطبيعي أن تكون نسبة اكتساب المهارة بينهم ضعيفة، ولكن مرة أخرى هذا لا يعني عدم “قدرتهم” على اكتساب المهارة. فالكويتي لم تضطره الحاجة ولم توجد البيئة اللازمة التي تحفزه على الأعمال اليدوية والحرفية فمن الطبيعي ألا يستثمر وقته فيها. هل هناك استثناءات؟ بالطبع ولكن الكلام هنا عن المستوى العام، على مستوى الدولة، على مستوى أكثر من مليون فرد.

وينطبق هذا على الخبرات والكفاءات في المجال المهني، فنسمع دائما عبارة أن البلد “مليااان كفاءات”، وهذا مخالف للمنطق. أولا، الكفاءة ليست مقياس مطلق ولكن تقاس مقابل مهنة ووظيفة ومعايير أداء ومعرفة وعمق خبرة معينة. فهل لدينا الأليات السليمة لقياس كل هذه الخواص، لكي نخرج بهذا الاستنتاج العام؟ الأمر الآخر، كيف تتكون الخبرات والكفاءات في بيئة عمل ضعيفة لا تشجع على المثابرة أو التعاون أو التطور المهني؟  كيف نقول بأن البلد “مليان” كفاءات قيادية وهناك ضعف عام في مستوى القادة وفي أداء المؤسسات والمشاريع – أي أين الفرصة، أين المدرسة التي تكونت فيها هذه الكفاءات التي نشير إليها؟ نعم هناك استثناءات وهناك ما يسمى – بجزر كفاءات – لكنها مجرد استثناءات وتحتاج دراية وتنمية بلا شك. مرة أخرى، القدرة على اكتساب مهارة وخبرة وكفاءة شيء، ووجودهم شيء آخر.

من الضروري أن نكون صريحين مع أنفسنا وامكانياتنا، فعندها فقط سنكون جادين بالبحث عن البيئة المناسبة لنا للتعلم واكتساب الخبرة.  والأهم أن يكون طموحنا دائما للأفضل وألا يمتلكنا الرضى عن النفس بهذه السهولة.

ما العمل وهل نثق بتوجه الحكومة وجديتها في اصلاح خلل التركيبة السكانية؟

منذ أن وعينا على الدنيا ونحن نسمع تصاريح الحكومة، بأنها ستشجع العمل بالقطاع الخاص وأنها ستشدد على تجار الإقامات والعمالة الهامشية وتشجع الشباب على العمل المهني الخ. نفس التصاريح لكن من أفواه مختلفة، ومرة تأتي مبادرات إيجابية تتبعها سياسات كارثية، تمحي أثرها كمحي مد البحر لبيوت التراب. لعلهم جادين أكثر هذه المرة، الله أعلم. لكن أفضّل البقاء في موقع الناقد الحذر إلى أن أرى تغيير مستدام على أرض الواقع.

لكن إن كنت متأكد من شيء فهو أن تعاطي الحكومة حتى بتصريحاتها الوردية، هو تعاطي سطحي لمشكلة التركيبة السكانية، لأن من جذور المشكلة الرئيسية، ومما لا يرغب أحد الحديث فيه، هو الفروق بالمرتبات بين المواطن وغيره وبين جنسية وأخرى. “خلكم معاي شوي” ولننظر لسلبيات إمكانية اتكال سوق العمل على عمالة رخيصة، اختصرها بنقطتين رئيسيتين:

عدم اهتمام سوق العمل بتدريب وتطوير مهارات العمالة الوطنية والحفاظ عليها

فمع وجود إمكانية توظيف أيادي عاملة رخيصة، لا توجد حوافز اقتصادية ولا منطق ربحي للشركات بأن يدفعوا مرتبات أكثر مع مخاطر تسرب موظفين أكبر. فالعامل الوافد الرخيص سهل ضمان استمراره مع رخص مرتبه. وقوانين دعم العمالة وأخرى لنسب التكويت اتضح أنها غير مجدية وسهل على الشركات الالتفاف حولها. ولكن إن كان استقطاب الوافد مكلف سيعني ذلك أن المواطن ستكون له قيمة أكبر ومهارة الوافد المنتقاة ستكون أعلى كذلك.

ضعف الأداء المهني والحرفي والإداري

مع إمكانية الاتكال على عمالة رخيصة، تنتفي الحاجة إلى تحسين كفاءة العمل واسلوبه. تحتاج إنتاجية أكثر؟ بسيطة، ارمي عليها درزن عمال. تحتاج تنظيف شوارع؟ لما تستثمر بمعدات وآلات تنظيف مكلفة يشغلها فني واحد أو اثنين، بسيطة، وظف آلاف العمالة الرخيصة بالشارع. تحتاج كراجات سيارات؟ بسيطة، صف عدد غير محدود من المحلات على شارع واحد وعين بها عمالة غير ماهرة تتعلم المهارة على حساب تخريب سيارات “خلق الله”، وكذلك في المشاريع الإنشائية وغيره من القطاعات. لكن عندما تكون الأيادي العاملة ثمينة، تفكر الشركات مليا بإدارة مواردها البشرية، فصاحب مشروع الإنشاء سيفكر مليا في خطة الإنشاء ويعمل عليها بكل جدية لأن التأخير سيكلفه الكثير، ليس عن طريق مخالفات حكومية لا تطبق، ولكن عن طريق كلفة مباشرة عليه. المواطن الذي يود العمل بمحل اصلاح أجهزة الكترونية لن تنافسه محلات تكلفها عمالتها مبالغ زهيدة.

هناك أساليب وسياسات كثيرة يمكن تطبيقها، ونسأل الوزيرة، لما تعتمد الدولة ومواطنيها على عمالة بهذا العدد أصلا؟ لما تعتمد المشاريع على هذا العدد من العمالة – الغير ماهرة؟ أليس الأولى زيادة كفاءة العمل وإدارة العمالة، وطنية كانت أم غيرها، للارتقاء بنوعية ومكانة المهن المختلفة، قبل تبرير الوضع بعدم رغبة المواطن بالعمل على هذه المهن؟ هذه مهن بوضعها الحالي وما يقابلها من مرتبات ومزايا لا يود أي أحد العمل بها أصلا ولولا حاجة هؤلاء العمال الماسة لما قبلوا بها أساسا. وهذا إنما هو استغلال بشع لحاجة فقير.

كفاءة ورُبُع

لا تشد حيلك وايد وتخرّب علينا – وتعني أننا، أيها الموظف الجديد، مرتاحون من الوضع “الفاسد” كما هو ولا نريد من أحد أن يعمل أفضل منّا ليظهر أننا مقصرين في عملنا. لا، هي ليست مقولة من الخيال أومبالغة وإنما تعكس ما يشعر به كثير من الموظفين الجدد في القطاع الحكومي ممن يحمل حماس العمل وروح الإنتاج بعد التخرج وأحيانا تقال لهم بالحرف الواحد.

الخريج الجامعي وإن كان متخرج من أرقى الجامعات في العالم يضل ضعيف الخبرة قابل للتشكيل والتأثّر بأداء من حوله، لذلك فإن أول سنوات العمل للشاب بعد التخرج هي الأهم في تشكيل خبرته وكفاءته من دراسته. بمعنى آخر أن خريج جامعة هارفارد بعد خمس سنوات عمل في وزارة “الحديد والصلب مثلا” بالكاد قدّم مشروع أو تعلم شيء من زملائه فيها لا نستطيع أن نقول عنه بعدها أن هذا الشخص من الكفاءة، فمؤهله السابق بعد هذه الفترة قد انتهت صلاحيته تقريبا وأصبحت مجرد شهادة والخبرة التي يحملها – سيئة لا غير. طبعا بالواقع خرّيج جامعة هارفارد الذي اجتهد للحصول على القبول والدراسة فيها سيكون أذكى من أن يدفن طموحه في مكان عمل سيء، لكنه مجرد مثال.

مخطئ من يظن أن الكفاءة تقف عند شهادة أو دورة ما. الشهادة تسمّى مؤهل فقط، ولكن خبرة العمل “الجيدة” – ضع خط تحت جيدة – مع المؤهل الجيد معا يحددان مدى الكفاءة. يظن المسؤولين في الدولة للأسف أن إعداد الكفاءة أوالقادة عبارة عن دورة قصيرة هنا وهناك وبعدها يصبح لدينا جيش من القادة وهنا إنما نضحك على أنفسنا قبل غيرنا بالقول أن البلد مليئة بالكفاءات، نعم هناك استثناءات ولكن الدول لا تبنى على استثناءات إنما تبنى على أساس المستوى العام.

السؤال الذي يجب أن نطرحه إذا، هل لدينا قطاعات عمل في الكويت تدار بمهنية وأمانة عالية تقارع المستوى العالمي بعيدة عن الفساد والواسطة وكفيلة بإنشاء جيل من القادة أصحاب الكفاءة؟ اترك لكم الإجابة.

رأيي الشخصي أن البلد ممتلئ بالموهلات، ممتلئ بالمبدعين، و ممتلئ بمن هم قابلين على التعلم والانجاز ولكنه يفتقد بشكل كبير إلى الأرض الخصبة السليمة لنموهم إلى مستوى نستطيع بعدها أن نقول عنهم أنهم كفاءة ونقارنهم ببقية العالم.

نمتلك الموارد الكافية لتأهيل الجيل القادم وأولها استثمارات البلد في الخارج فهي مكان مثالي لتنمية خبرة الخريجيين الجدد بعيد عن الفساد في البلد ولكن بشرط أن يكون تقييمهم هناك جدي ويعاملون معاملة الموظف العادي في هذه الشركات الأجنبية. أما ما يمكن عمله داخل الكويت فالخيارات كثيرة لكن بجميع الأحوال علينا أن نعامل القطاع أي قطاع كالمحمية الزراعية التي تنتج شتلات. الشتلات نعتني بها بعيدا أن أي شتلة مفسدة ولا نخرجها من المشتل إلا بعد أن تقوى وتستطيع أن تنموا لوحدها “نسبياً” في هذا العالم الشرس.

استذكر هنا شخص كان له تأثير إيجابي كبير في تشجيعي شخصيا وكثير من الشباب على العمل بعد التخرج في القطاع الخاص وخصوصا خارج الكويت وهو الملحق الثقافي السابق في واشنطن، الدكتور ميرزا حسن، حيث كان من أشد الداعمين للشباب على اكتسابهم لخبرة العمل في أمريكا بعد التخرج وعدم استعجال العودة وساهم في وضع مكافئة لمن يحصل على وظيفة في أمريكا بعد التخرج – لا أعلم إن كانت المكافئة ما زالت سارية.

 علي الصيـبعي