قراءة في كتاب أسلحة التعليم شامل لجون غاتو

هل نحتاج للمدرسة؟

لا يقصد التعليم ولكن المدرسة تحديدا، هل نحتاج إلى نظام إلزامي يشمل ست حصص باليوم، خمسة أيام في الأسبوع، لمدة 9 أشهر بالسنة على مدى 12 سنة؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي يطرحه غاتو في كتابه، أسلحة التعليم الشامل.

غاتو مدرس متقاعد، قضى 30 سنة بالتدريس وحاز على جائزة أفضل مدرس في مدينة نيويورك لثلاث مرات وعلى أفضل مدرس في ولاية نيويورك مرة. حاول تطبيق أساليب غير تقليدية في تدريسه وحورب على أساسها كثيرا من قبل الإدارات المدرسية المختلفة التي عمل معها. له مؤلفات عدة ينتقد فيها النظام المدرسي الإلزامي.

يشير جون إلى أمثلة عدة من المبتكرين والصناع في التاريخ الغربي من الذين لم يسلكوا الطريق المدرسي في التعليم ورأوا فيه مضيعة لوقتهم، فقد وجدوا طرق أخرى للتعلم أكثر نفعا وفعالية. فالمدرسة حسب رأيه، وضعت كسلاح من السلطة والنخبة للتحكم في كيفية نشأة العامة وأفكارهم. فعن طريق المدرسة يمكن غرس المفاهيم والقواعد التي تريد السلطة أن تأسسها في المجتمع وتخلق منهم شعب متماثل متجانس مطيع وخانع.

يرى جون أن المدرسة تشوش أذهان الطلبة، فتقدم لهم معلومات غير مترابطة، عليهم حفظها ومن ثم نسيانها، فهي لا تختلف عن التلفاز في كونها مجرد أداة لتعبة وقت الطفل. والمدرسة بامتدادها المؤسسي وما يسندها من بنية ثقافية وخبراء بالآلاف، تخلق فكرة أو إيهام كاذب بأنها، أي المدرسة، أدرى بمصلحة الطالب التعليمية، فيسلّم الطالب والمجتمع مسؤوليته الشخصية في تعليم نفسه إلى المؤسسة المدرسية، ويعتمد عليها اعتماد كامل لتكون هي المصدر الوحيد في تلقي المعلومة، ولا على الطالب أن يسعى أن يستزيد من العلم خارج إطار المنهج.

ويرى أنها تقتل فيهم الاستقلالية الفكرية والعاطفية. فعندما تفصل المدرسة الطلبة حسب مادة التدريس، والفئة العمرية، وامتحانات مستمرة لتصنيفهم، وطرق أخرى غير مباشرة، لا يمكن بعدها، بعد أن يتم فصل وتجزئة الإنسان في طفولته، أن يتمكن من الاندماج مرة أخرى في كائن مستقل، خطر على السلطة والنظام.

كما أنها تزرع فيهم ثقة وهمية تلزم تدعيم مستمر من النظام عن طريق اختبارات ومراحل قياس متكررة، والكل يعلم أن امتحانات القياس والاختبارات ليست مقياس جيد فها هم قادة المجتمع والكثير من المبتكرين لم يحصلوا بالضرورة على أعلى الدرجات.

يشير جاتو للمؤلف أليكساندر انجلس وكتابه Principles of Secondary Education الذي يعدد المهام الحقيقية الخفية للمدرسة في العصر الحديث، منها:

التكيف الاجتماعي، عن طريق غرس مفاهيم وعادات ثابتة للتعامل مع السلطة وتهميش دور التفكير النقدي.

التماثل الاجتماعي، عن طريق مطابقة النشء وتحويلهم إلى نسخ متشابهة. فالبشر المتطابقين يسهل التنبؤ بتصرفاتهم وعليه يسهل استغلال طاقتهم وعملهم.

التوجيه الاجتماعي. فعن طريق المدرسة يحدد الدور الاجتماعي المناسب للفرد وليس له قرار مطلق في تغيير نتاج هذا الأمر.

الوظيفة الانتقائية، فكما هي نظرية داروين في “البقاء للأفضل”، يأتي دور المدرسة في تمييز الأفضل وخلق نظام موازي لنظرية التطور في الطبيعة، لكن اجتماعي.

المدرسة تقوم بدور ممتاز في تحويل الأطفال، إلى أطفال

يقول جاتو، أن الفلاسفة من أفلاطون إلى جون جاك روسو، علموا بأن جمع الأطفال مع بعضهم من عمر معين، وتجريدهم من المسؤولية والاستقلالية، وتشجيعهم على تطوير عواطف تافهة من طمع، وغيرة وخوف، يمكن أن يبلغوا سنا لا عقلا. ويقول، أن النظام المدرسي الإلزامي مدد عمر الطفولة ما بين سنتين إلى ست سنوات. فطبيعي أن نسمع عن قصص شخصيات بارزة في التاريخ القدم لم تتجاوز أعمارهم ال 14 سنة.

يسرد الكاتب أمثلة كثيرة عن شخصيات نجو ونجحوا خارج مسار المدرسة الإلزامية، كما يعطي نبذة تاريخية عن نشأة النظام المدرسي الحديث وكيف تحول ليصبح آلة مؤسسية عملاقة لا يمكن زعزعتها.

ملاحظات ونقد في الكتاب

الكتاب ثري ومهم قراءته للمهتمين بالشأن التعليمي ولكل أولياء الأمور حقيقة، فهو يقوم بتذكيرنا بألا نسلم عقلنا ومسؤولية تعلمنا للمؤسسة المدرسية وافتراض أن لها الملكية الأعلى في مصلحة نشأتنا. ومن الضروري أن نتذكر أن مسؤولية تعلمنا وأبنائنا تقع علينا حتى لو سلمنا وقتنا للنظام المدرسي الإلزامي.

لا أرى أنه يمكن الاستغناء عن المدرسة وهنا أختلف مع الكاتب. المدرسة على أنها بعيدة جدا عن النظام المثالي إلا أنها ساهمت في تغيير حياة كثير من البشر بشكل إيجابي في أنحاء هذا العالم. فهي توفر بيئة أمنة وهادئة لأطفال قد لا يملكون هذه البيئة في بيوتهم. المدرسة قد يكون لها دور في الاجبار على التجربة قبل الحكم. مثلا، المدرسة قد تجبر طالب على تعلم مادة معينة كالفيزياء، قد لا يرغب بتجربتها بداية ولكن بعد التجربة ممكن أن يتغير رأيه ويتبنى على أساس هذه التجربة مهنة حياته. هل يمكن أن نضمن تعرض الطفل لتجارب تعليمية مختلفة وواسعة خارج البيئة المدرسية؟ نعم هناك من الأطفال من سيسعى بشكل أفضل وأجدى أن يتعلم ذاتيا في غياب النظام المدرسي ولكن ماذا عن الفئة الأخرى التي قد لا تسعى لذلك ولا تجد الحرص والتوعية الكافية من البيئة الاجتماعية والمنزلية؟

الحل يكمن في تحويل البيئة المدرسية إلى بيئة تجارب رحبة وواسعة على قدر الإمكان، تذكره وترغبه بالتعلم ولكن بلا تلقين وفرض وترهيب، بل عن طريق توفير الوسائل المختلفة العملية التجريبية، والتي تقنع ولا ترهب الطلاب بضرورة تعلم هذه النظرية أو تلك. ما فائدة دروس اللغة المستمرة ل12 سنة إن لم يخرج الطالب من هذا النظام وهو محب للقراءة؟ ما فائدة حفظ تواريخ وأسامي أحداث تاريخية تنسى في حينها، من غير نقاش وسرد التاريخ القصصي الجميل في أحداث التاريخ؟ ما فائدة تعلم أسس رياضيات بشكل إلزامي أكثر من معادلات الجبر الأساسية؟ وإن كانت الرياضيات مهمة، فلما لا نعلم أسس التفكير الإحصائي والذي يعتبر أكثر نفعا في حياة الفرد الشخصية والاجتماعية؟ هل هي أقل ضرورة من تعلم التفاضل والتكامل؟ لما لا نجرؤ كأفراد مجتمع على نقد محتوى المناهج، خارج العراك الديني فقط؟

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s