كفاءة ورُبُع

لا تشد حيلك وايد وتخرّب علينا – وتعني أننا، أيها الموظف الجديد، مرتاحون من الوضع “الفاسد” كما هو ولا نريد من أحد أن يعمل أفضل منّا ليظهر أننا مقصرين في عملنا. لا، هي ليست مقولة من الخيال أومبالغة وإنما تعكس ما يشعر به كثير من الموظفين الجدد في القطاع الحكومي ممن يحمل حماس العمل وروح الإنتاج بعد التخرج وأحيانا تقال لهم بالحرف الواحد.

الخريج الجامعي وإن كان متخرج من أرقى الجامعات في العالم يضل ضعيف الخبرة قابل للتشكيل والتأثّر بأداء من حوله، لذلك فإن أول سنوات العمل للشاب بعد التخرج هي الأهم في تشكيل خبرته وكفاءته من دراسته. بمعنى آخر أن خريج جامعة هارفارد بعد خمس سنوات عمل في وزارة “الحديد والصلب مثلا” بالكاد قدّم مشروع أو تعلم شيء من زملائه فيها لا نستطيع أن نقول عنه بعدها أن هذا الشخص من الكفاءة، فمؤهله السابق بعد هذه الفترة قد انتهت صلاحيته تقريبا وأصبحت مجرد شهادة والخبرة التي يحملها – سيئة لا غير. طبعا بالواقع خرّيج جامعة هارفارد الذي اجتهد للحصول على القبول والدراسة فيها سيكون أذكى من أن يدفن طموحه في مكان عمل سيء، لكنه مجرد مثال.

مخطئ من يظن أن الكفاءة تقف عند شهادة أو دورة ما. الشهادة تسمّى مؤهل فقط، ولكن خبرة العمل “الجيدة” – ضع خط تحت جيدة – مع المؤهل الجيد معا يحددان مدى الكفاءة. يظن المسؤولين في الدولة للأسف أن إعداد الكفاءة أوالقادة عبارة عن دورة قصيرة هنا وهناك وبعدها يصبح لدينا جيش من القادة وهنا إنما نضحك على أنفسنا قبل غيرنا بالقول أن البلد مليئة بالكفاءات، نعم هناك استثناءات ولكن الدول لا تبنى على استثناءات إنما تبنى على أساس المستوى العام.

السؤال الذي يجب أن نطرحه إذا، هل لدينا قطاعات عمل في الكويت تدار بمهنية وأمانة عالية تقارع المستوى العالمي بعيدة عن الفساد والواسطة وكفيلة بإنشاء جيل من القادة أصحاب الكفاءة؟ اترك لكم الإجابة.

رأيي الشخصي أن البلد ممتلئ بالموهلات، ممتلئ بالمبدعين، و ممتلئ بمن هم قابلين على التعلم والانجاز ولكنه يفتقد بشكل كبير إلى الأرض الخصبة السليمة لنموهم إلى مستوى نستطيع بعدها أن نقول عنهم أنهم كفاءة ونقارنهم ببقية العالم.

نمتلك الموارد الكافية لتأهيل الجيل القادم وأولها استثمارات البلد في الخارج فهي مكان مثالي لتنمية خبرة الخريجيين الجدد بعيد عن الفساد في البلد ولكن بشرط أن يكون تقييمهم هناك جدي ويعاملون معاملة الموظف العادي في هذه الشركات الأجنبية. أما ما يمكن عمله داخل الكويت فالخيارات كثيرة لكن بجميع الأحوال علينا أن نعامل القطاع أي قطاع كالمحمية الزراعية التي تنتج شتلات. الشتلات نعتني بها بعيدا أن أي شتلة مفسدة ولا نخرجها من المشتل إلا بعد أن تقوى وتستطيع أن تنموا لوحدها “نسبياً” في هذا العالم الشرس.

استذكر هنا شخص كان له تأثير إيجابي كبير في تشجيعي شخصيا وكثير من الشباب على العمل بعد التخرج في القطاع الخاص وخصوصا خارج الكويت وهو الملحق الثقافي السابق في واشنطن، الدكتور ميرزا حسن، حيث كان من أشد الداعمين للشباب على اكتسابهم لخبرة العمل في أمريكا بعد التخرج وعدم استعجال العودة وساهم في وضع مكافئة لمن يحصل على وظيفة في أمريكا بعد التخرج – لا أعلم إن كانت المكافئة ما زالت سارية.

 علي الصيـبعي