قراءة في كتاب أسلحة التعليم شامل لجون غاتو

هل نحتاج للمدرسة؟

لا يقصد التعليم ولكن المدرسة تحديدا، هل نحتاج إلى نظام إلزامي يشمل ست حصص باليوم، خمسة أيام في الأسبوع، لمدة 9 أشهر بالسنة على مدى 12 سنة؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي يطرحه غاتو في كتابه، أسلحة التعليم الشامل.

غاتو مدرس متقاعد، قضى 30 سنة بالتدريس وحاز على جائزة أفضل مدرس في مدينة نيويورك لثلاث مرات وعلى أفضل مدرس في ولاية نيويورك مرة. حاول تطبيق أساليب غير تقليدية في تدريسه وحورب على أساسها كثيرا من قبل الإدارات المدرسية المختلفة التي عمل معها. له مؤلفات عدة ينتقد فيها النظام المدرسي الإلزامي.

يشير جون إلى أمثلة عدة من المبتكرين والصناع في التاريخ الغربي من الذين لم يسلكوا الطريق المدرسي في التعليم ورأوا فيه مضيعة لوقتهم، فقد وجدوا طرق أخرى للتعلم أكثر نفعا وفعالية. فالمدرسة حسب رأيه، وضعت كسلاح من السلطة والنخبة للتحكم في كيفية نشأة العامة وأفكارهم. فعن طريق المدرسة يمكن غرس المفاهيم والقواعد التي تريد السلطة أن تأسسها في المجتمع وتخلق منهم شعب متماثل متجانس مطيع وخانع.

يرى جون أن المدرسة تشوش أذهان الطلبة، فتقدم لهم معلومات غير مترابطة، عليهم حفظها ومن ثم نسيانها، فهي لا تختلف عن التلفاز في كونها مجرد أداة لتعبة وقت الطفل. والمدرسة بامتدادها المؤسسي وما يسندها من بنية ثقافية وخبراء بالآلاف، تخلق فكرة أو إيهام كاذب بأنها، أي المدرسة، أدرى بمصلحة الطالب التعليمية، فيسلّم الطالب والمجتمع مسؤوليته الشخصية في تعليم نفسه إلى المؤسسة المدرسية، ويعتمد عليها اعتماد كامل لتكون هي المصدر الوحيد في تلقي المعلومة، ولا على الطالب أن يسعى أن يستزيد من العلم خارج إطار المنهج.

ويرى أنها تقتل فيهم الاستقلالية الفكرية والعاطفية. فعندما تفصل المدرسة الطلبة حسب مادة التدريس، والفئة العمرية، وامتحانات مستمرة لتصنيفهم، وطرق أخرى غير مباشرة، لا يمكن بعدها، بعد أن يتم فصل وتجزئة الإنسان في طفولته، أن يتمكن من الاندماج مرة أخرى في كائن مستقل، خطر على السلطة والنظام.

كما أنها تزرع فيهم ثقة وهمية تلزم تدعيم مستمر من النظام عن طريق اختبارات ومراحل قياس متكررة، والكل يعلم أن امتحانات القياس والاختبارات ليست مقياس جيد فها هم قادة المجتمع والكثير من المبتكرين لم يحصلوا بالضرورة على أعلى الدرجات.

يشير جاتو للمؤلف أليكساندر انجلس وكتابه Principles of Secondary Education الذي يعدد المهام الحقيقية الخفية للمدرسة في العصر الحديث، منها:

التكيف الاجتماعي، عن طريق غرس مفاهيم وعادات ثابتة للتعامل مع السلطة وتهميش دور التفكير النقدي.

التماثل الاجتماعي، عن طريق مطابقة النشء وتحويلهم إلى نسخ متشابهة. فالبشر المتطابقين يسهل التنبؤ بتصرفاتهم وعليه يسهل استغلال طاقتهم وعملهم.

التوجيه الاجتماعي. فعن طريق المدرسة يحدد الدور الاجتماعي المناسب للفرد وليس له قرار مطلق في تغيير نتاج هذا الأمر.

الوظيفة الانتقائية، فكما هي نظرية داروين في “البقاء للأفضل”، يأتي دور المدرسة في تمييز الأفضل وخلق نظام موازي لنظرية التطور في الطبيعة، لكن اجتماعي.

المدرسة تقوم بدور ممتاز في تحويل الأطفال، إلى أطفال

يقول جاتو، أن الفلاسفة من أفلاطون إلى جون جاك روسو، علموا بأن جمع الأطفال مع بعضهم من عمر معين، وتجريدهم من المسؤولية والاستقلالية، وتشجيعهم على تطوير عواطف تافهة من طمع، وغيرة وخوف، يمكن أن يبلغوا سنا لا عقلا. ويقول، أن النظام المدرسي الإلزامي مدد عمر الطفولة ما بين سنتين إلى ست سنوات. فطبيعي أن نسمع عن قصص شخصيات بارزة في التاريخ القدم لم تتجاوز أعمارهم ال 14 سنة.

يسرد الكاتب أمثلة كثيرة عن شخصيات نجو ونجحوا خارج مسار المدرسة الإلزامية، كما يعطي نبذة تاريخية عن نشأة النظام المدرسي الحديث وكيف تحول ليصبح آلة مؤسسية عملاقة لا يمكن زعزعتها.

ملاحظات ونقد في الكتاب

الكتاب ثري ومهم قراءته للمهتمين بالشأن التعليمي ولكل أولياء الأمور حقيقة، فهو يقوم بتذكيرنا بألا نسلم عقلنا ومسؤولية تعلمنا للمؤسسة المدرسية وافتراض أن لها الملكية الأعلى في مصلحة نشأتنا. ومن الضروري أن نتذكر أن مسؤولية تعلمنا وأبنائنا تقع علينا حتى لو سلمنا وقتنا للنظام المدرسي الإلزامي.

لا أرى أنه يمكن الاستغناء عن المدرسة وهنا أختلف مع الكاتب. المدرسة على أنها بعيدة جدا عن النظام المثالي إلا أنها ساهمت في تغيير حياة كثير من البشر بشكل إيجابي في أنحاء هذا العالم. فهي توفر بيئة أمنة وهادئة لأطفال قد لا يملكون هذه البيئة في بيوتهم. المدرسة قد يكون لها دور في الاجبار على التجربة قبل الحكم. مثلا، المدرسة قد تجبر طالب على تعلم مادة معينة كالفيزياء، قد لا يرغب بتجربتها بداية ولكن بعد التجربة ممكن أن يتغير رأيه ويتبنى على أساس هذه التجربة مهنة حياته. هل يمكن أن نضمن تعرض الطفل لتجارب تعليمية مختلفة وواسعة خارج البيئة المدرسية؟ نعم هناك من الأطفال من سيسعى بشكل أفضل وأجدى أن يتعلم ذاتيا في غياب النظام المدرسي ولكن ماذا عن الفئة الأخرى التي قد لا تسعى لذلك ولا تجد الحرص والتوعية الكافية من البيئة الاجتماعية والمنزلية؟

الحل يكمن في تحويل البيئة المدرسية إلى بيئة تجارب رحبة وواسعة على قدر الإمكان، تذكره وترغبه بالتعلم ولكن بلا تلقين وفرض وترهيب، بل عن طريق توفير الوسائل المختلفة العملية التجريبية، والتي تقنع ولا ترهب الطلاب بضرورة تعلم هذه النظرية أو تلك. ما فائدة دروس اللغة المستمرة ل12 سنة إن لم يخرج الطالب من هذا النظام وهو محب للقراءة؟ ما فائدة حفظ تواريخ وأسامي أحداث تاريخية تنسى في حينها، من غير نقاش وسرد التاريخ القصصي الجميل في أحداث التاريخ؟ ما فائدة تعلم أسس رياضيات بشكل إلزامي أكثر من معادلات الجبر الأساسية؟ وإن كانت الرياضيات مهمة، فلما لا نعلم أسس التفكير الإحصائي والذي يعتبر أكثر نفعا في حياة الفرد الشخصية والاجتماعية؟ هل هي أقل ضرورة من تعلم التفاضل والتكامل؟ لما لا نجرؤ كأفراد مجتمع على نقد محتوى المناهج، خارج العراك الديني فقط؟

التطعيم والتوحد – رسالة من أب

لست بطبيب أو صاحب اختصاص طبي، ولست من عشاق دراسته أو الاطلاع فيه وعلاقتي به لا تتعدى وجود أقرباء من الدرجة الأولى يعملون في مجال الصحة. لكن لدي ابنة وحيدة عمرها سنة، ووصلت لي كما وصلت لكم إشاعات مختلفة عن أضرار التطعيم وعن علاقته المزعومة بمرض التوحد. من باب الاطمئنان أردت البحث والتحري لمعرفة مدى صحة هذه الادعاءات من مصادر علمية محكمة وموثوقة، فمع إني لست صاحب اختصاص طبي إلا أني باحث علمي في مجال آخر سمح لي على الأقل بفهم وتقدير مسار النشر البحثي والمنهج العلمي المحكم ككل ومتانته.

أتفهم أولا وجود بعض الشكوك وقلة الثقة اتجاه الأطباء أو جهاز وزارة الصحة عموما، فمرة نسمع عن أخطاء طبية هنا وسوء إدارة هناك. هذا الطبيب يعطي تشخيص والآخر يخالفه تماما. هذا الطبيب يوزع المضاد الحيوي مثل “الماي” والآخر لا ينصح به، الخ. وبعض من هذا الشك ليس حصرا على دولة معينة ولكن نسمع عنه ونشعر بوجوده بأماكن مختلفة حول العالم وممكن أن نختلف على أحقية التشكيك من عدمه في موضع آخر. ولكن –  مسألة التطعيم ليست محل اجتهاد وتشخيص فردي. الدراسات المحكمة، أي التي تمت مراجعتها بشكل مستقل ومستفيض من مختصين آخرين مستقلين، تشير وبوضوح تام لعدم وجود ارتباط بين التطعيم – الثلاثي تحديدا MMR  – وبين مرض التوحد فالأمر ليس باجتهاد شخصي ومجرد تشخيص حسب فهم وأهواء المختصين، لا، هذا الأمر مبني على دراسات موثقة ومحكمة تتبع الاسلوب التجريبي الميداني على شرائح وعينات متنوعة وكافية ويتم تدقيقها وإعادة استنتاجها بشكل مستقل حسب المنهج العلمي المحكم. وهذا ليس استنتاج مني وإنما من تصاريح مباشرة من جهات عدة سأعددها بهذا المقال ولكم أنتم الحكم.

رسالتي هي أن تطلعون على هذه المصادر، وتأخذون نسخا منها إلى الطبيب/الصيدلي أو أي شخص آخر يدعي وجود ارتباط بين التطعيم وبين التوحد وأن تطالبوهم بأن يأتون بالحجة والدليل الكافي لنفي صحتها. فإن كنتم ترجون سلامة أبناءكم وأبناء غيركم – الطفل الغير مطعّم قد ينقل المرض لغيره المطعّم – فمن واجبكم اتجاه أبناءكم واتجاه المجتمع أن تتيقنوا قبل أن تخاطروا بعدم التطعيم. أبناءكم وصحتهم تستحق منكم عناء البحث الجيد السليم. وهنا فيديو قصير – مترجم، اضغط على علامة الترس واختر اللغة – من TED يشرح منهجية التجارب والدراسات العلمية التطبيقية. وفيديو آخر يشرح كيف أن كثير من “الدراسات” العلمية ضعيفة ولا يمكن الاستناد على استنتاجاتها إلا بعد مراجعة ووجود دراسات أخرى مماثلة لها بالنتائج، وهنا يكمن دور التحكيم العلمي والمراجعات المستفيضة من الجهات الموثوقة. وهنا آخر يشرح كيف بدأ ما يسمى ب “علم” اللاتطعيم.

  1. مراكز الوقاية والسيطرة على الأمراض CDC: Centers for Disease Control and Prevention- أتلانتا، الولايات المتحدة. هذا مركز وطني فيدرالي يتبع وزارة الصحة الأمريكية. يعمل به 15 ألف موظف وله ميزانية سنوية تقدر ب7 مليار دولار. تصريحة اتجاه إشاعة ارتباط التطعيم بمرض التوحد هو التالي: “لا علاقة بين التطعيم ومرض التوحد” و “محتويات التطعيمات لا تسبب التوحد” ويستندون إلى دراسات من المركز وخارجه تثبت كلامهم. رابــــــط

cdc

2. منظمة الصحة العالمية WHO: World Health Organization. ومقرها الرئيسي في جينيف، سويسرا. وهي جهاز تابع للأمم المتحدة، تنظم لها 194 دولة. تقول: ادعاءات وجود علاقة بين التطعيم والتوحد نشأت بالتسعينات بعد بروز دراسات تدعي ذلك. مراجعات مستقلة لهذه الدراسات أثبتت ضعفها، واستنتجت أنه لا توجد أدلة تدعم وجود علاقة بين التطعيم الثلاثي MMR والتوحد. رابــــــط

who

 3.الأكاديمية الوطنية للطب National Academy of Medicine. وهي من أرقى الأكاديميات وتتبع الأكاديمية الوطنية للعلوم والهندسة والطب ولا يترشح لها إلا من أثبت مكانته في التخصص وانجازه العلمي تقول: بعد مراجعة سند الدراسات المنشورة والغير منشورة في مجال علم الأمراض الوبائية، الأدلة تؤيد عدم وجود علاقة بين التطعيم thimerosal-containing أي الذي يحتوي على نسبة زئبق، وبين مرض التوحدرابــــــط

academy-of-medicine

4. الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال. American Academy of Pediatrics. تقول: الادعاءات التي تربط التطعيم بمرض التوحد تم دحضها بدراسات طبية متينة. وأي جهد خلاف ذلك يشكل خطر على الأطفال والعوائل والمجتمع. كأطباء أطفال نعلم أن مصلحة الأطفال  تكون بتطعيمهم. رابــــــط

pediatric-assoc

ودراسات أخرى، هنا وهنا، وهنا، وهنا، وهنا، وهنا، وهنا، وهنا، وهنا، وهنا، وهنا، وهنا، وهنا، وهنا، وهنا، وهنا، وهنا، وهنا، وهنا، وهنا، وهنا، وهنا، وهنا، وهنا، وهنا، وهنا، وهنا محكمة تثبت سلامة التطعيمات.

تذكروا أن من حقكم المطالبة بالأدلة العلمية من أي مختص، ومن واجبه الأخلاقي اتجاه مهنته واتجاه المجتمع أن يوفرها لكم من دون أن يستصغر من طلبكم.

Ali AlSaibie
PhD Candidate,
Georgia Institute of Technology

علي الصيـبعي

باحث دكتوراه، معهد جورجيا للتقنية

مهارة كسولة

انتشر تعليق عن وزيرة الشؤون هند الصبيح، ادعى أنها قالت بأن الكويتيون عمالة غير ماهرة وأنهم عالة على سوق العمل. في الحقيقة هي لم تقل ذلك. بل قالت بأن هناك مشاريع كبيرة بالبلد تحتاج إلى عمالة – غير ماهرة – في وظائف لن يقبل بها الكويتيون. ذكرت هذه النقطة في سياق الحديث عن صعوبة تعديل التركيبة السكانية والحاجة للعمل على مدة 15-20 سنة لتغيير نسبة الكويتيين من أقلية إلى أغلبية. وذكرت أمور عدة أخذتها بالاعتبار منها بيئة العمل والتراخيص، منها سماسرة العمالة، منها عدد العمالة العالية في المشاريع، منها تغيير مفهوم العمل بالخاص وغيره.

بغض النظر عما قالت الوزيرة أو لم تقله، بودي طرح بعض النقاط في الموضوع.

السؤال الأول – هل الكويتيون عمالة ماهرة؟

للإجابة على هذا السؤال يجب أن نفرق أولا بين المهارة وبين القدرة. عند القول بأن الكويتي غير ماهر فهذا لا يعني أنه كسول أو أنه غير قادر على اكتساب المهارة. الكويتي مخلوق كبقية البشر متى ما اجتهد وتدرب وتعلم بشكل كافي، اكتسب وتمرس في المهارة. فهل الكويتي تمرّس في المهن والأعمال اليدوية؟ لا أعتقد أن الكثير يختلف في الجواب، فإذا من الطبيعي أن تكون نسبة اكتساب المهارة بينهم ضعيفة، ولكن مرة أخرى هذا لا يعني عدم “قدرتهم” على اكتساب المهارة. فالكويتي لم تضطره الحاجة ولم توجد البيئة اللازمة التي تحفزه على الأعمال اليدوية والحرفية فمن الطبيعي ألا يستثمر وقته فيها. هل هناك استثناءات؟ بالطبع ولكن الكلام هنا عن المستوى العام، على مستوى الدولة، على مستوى أكثر من مليون فرد.

وينطبق هذا على الخبرات والكفاءات في المجال المهني، فنسمع دائما عبارة أن البلد “مليااان كفاءات”، وهذا مخالف للمنطق. أولا، الكفاءة ليست مقياس مطلق ولكن تقاس مقابل مهنة ووظيفة ومعايير أداء ومعرفة وعمق خبرة معينة. فهل لدينا الأليات السليمة لقياس كل هذه الخواص، لكي نخرج بهذا الاستنتاج العام؟ الأمر الآخر، كيف تتكون الخبرات والكفاءات في بيئة عمل ضعيفة لا تشجع على المثابرة أو التعاون أو التطور المهني؟  كيف نقول بأن البلد “مليان” كفاءات قيادية وهناك ضعف عام في مستوى القادة وفي أداء المؤسسات والمشاريع – أي أين الفرصة، أين المدرسة التي تكونت فيها هذه الكفاءات التي نشير إليها؟ نعم هناك استثناءات وهناك ما يسمى – بجزر كفاءات – لكنها مجرد استثناءات وتحتاج دراية وتنمية بلا شك. مرة أخرى، القدرة على اكتساب مهارة وخبرة وكفاءة شيء، ووجودهم شيء آخر.

من الضروري أن نكون صريحين مع أنفسنا وامكانياتنا، فعندها فقط سنكون جادين بالبحث عن البيئة المناسبة لنا للتعلم واكتساب الخبرة.  والأهم أن يكون طموحنا دائما للأفضل وألا يمتلكنا الرضى عن النفس بهذه السهولة.

ما العمل وهل نثق بتوجه الحكومة وجديتها في اصلاح خلل التركيبة السكانية؟

منذ أن وعينا على الدنيا ونحن نسمع تصاريح الحكومة، بأنها ستشجع العمل بالقطاع الخاص وأنها ستشدد على تجار الإقامات والعمالة الهامشية وتشجع الشباب على العمل المهني الخ. نفس التصاريح لكن من أفواه مختلفة، ومرة تأتي مبادرات إيجابية تتبعها سياسات كارثية، تمحي أثرها كمحي مد البحر لبيوت التراب. لعلهم جادين أكثر هذه المرة، الله أعلم. لكن أفضّل البقاء في موقع الناقد الحذر إلى أن أرى تغيير مستدام على أرض الواقع.

لكن إن كنت متأكد من شيء فهو أن تعاطي الحكومة حتى بتصريحاتها الوردية، هو تعاطي سطحي لمشكلة التركيبة السكانية، لأن من جذور المشكلة الرئيسية، ومما لا يرغب أحد الحديث فيه، هو الفروق بالمرتبات بين المواطن وغيره وبين جنسية وأخرى. “خلكم معاي شوي” ولننظر لسلبيات إمكانية اتكال سوق العمل على عمالة رخيصة، اختصرها بنقطتين رئيسيتين:

عدم اهتمام سوق العمل بتدريب وتطوير مهارات العمالة الوطنية والحفاظ عليها

فمع وجود إمكانية توظيف أيادي عاملة رخيصة، لا توجد حوافز اقتصادية ولا منطق ربحي للشركات بأن يدفعوا مرتبات أكثر مع مخاطر تسرب موظفين أكبر. فالعامل الوافد الرخيص سهل ضمان استمراره مع رخص مرتبه. وقوانين دعم العمالة وأخرى لنسب التكويت اتضح أنها غير مجدية وسهل على الشركات الالتفاف حولها. ولكن إن كان استقطاب الوافد مكلف سيعني ذلك أن المواطن ستكون له قيمة أكبر ومهارة الوافد المنتقاة ستكون أعلى كذلك.

ضعف الأداء المهني والحرفي والإداري

مع إمكانية الاتكال على عمالة رخيصة، تنتفي الحاجة إلى تحسين كفاءة العمل واسلوبه. تحتاج إنتاجية أكثر؟ بسيطة، ارمي عليها درزن عمال. تحتاج تنظيف شوارع؟ لما تستثمر بمعدات وآلات تنظيف مكلفة يشغلها فني واحد أو اثنين، بسيطة، وظف آلاف العمالة الرخيصة بالشارع. تحتاج كراجات سيارات؟ بسيطة، صف عدد غير محدود من المحلات على شارع واحد وعين بها عمالة غير ماهرة تتعلم المهارة على حساب تخريب سيارات “خلق الله”، وكذلك في المشاريع الإنشائية وغيره من القطاعات. لكن عندما تكون الأيادي العاملة ثمينة، تفكر الشركات مليا بإدارة مواردها البشرية، فصاحب مشروع الإنشاء سيفكر مليا في خطة الإنشاء ويعمل عليها بكل جدية لأن التأخير سيكلفه الكثير، ليس عن طريق مخالفات حكومية لا تطبق، ولكن عن طريق كلفة مباشرة عليه. المواطن الذي يود العمل بمحل اصلاح أجهزة الكترونية لن تنافسه محلات تكلفها عمالتها مبالغ زهيدة.

هناك أساليب وسياسات كثيرة يمكن تطبيقها، ونسأل الوزيرة، لما تعتمد الدولة ومواطنيها على عمالة بهذا العدد أصلا؟ لما تعتمد المشاريع على هذا العدد من العمالة – الغير ماهرة؟ أليس الأولى زيادة كفاءة العمل وإدارة العمالة، وطنية كانت أم غيرها، للارتقاء بنوعية ومكانة المهن المختلفة، قبل تبرير الوضع بعدم رغبة المواطن بالعمل على هذه المهن؟ هذه مهن بوضعها الحالي وما يقابلها من مرتبات ومزايا لا يود أي أحد العمل بها أصلا ولولا حاجة هؤلاء العمال الماسة لما قبلوا بها أساسا. وهذا إنما هو استغلال بشع لحاجة فقير.

حادث مروري لروبوت – نهاية تقنية؟

بعد حادث سيارة تسلا التي كانت تحت القيادة الذاتية حينها وتسببت في وفاة قائد المركبة. بدأت دعوات التشكيك والخوف من التقنية تتزايد. أود أن أذكر هنا بعض الحقائق ليتسنى للقارئ أن يتعامل مع الحدث وفهم حدود التقنية بموضوعية.

الحادث حصل عندما حاولت شاحنة الالتفاف يسارا من الحارة اليمنى لشارع عام من دون أن ينتبه قائد الشاحنة لقدوم سيارة تسلا بالحارة المعاكسة. سيارة تسلا كانت تحت القيادة الذاتية حينها ولم تستطع تمييز الشاحنة وهي ممتدة على عرض الشارع. حسب تصريح شركة تسلا فإن السيارة استشعرت جسم الشاحنة ولكن ظنته لوحة إرشادية فوقية. لهذا لم تكبس على الفرامل واستمرت بالاصطدام بالشاحنة.

Crash

السيارات ذاتية القيادة تعتمد على مجموعة متفاوتة من الكاميرات والرادارات. وفي حال تسلا فهي تعتمد على كاميرات ورادار أمامي. هذه المجسّات قد لا تستطيع تمييز الأجسام بشكل دقيق مع الأمطار الكثيفة أو مع انعكاسات الشمس من على أسطح الأجسام. أغلب مطوري السيارات ذاتية التحكم الآخرين بما فيهم Google يوظفون نوع مطور من الرادار يسمى بLIDAR   وهذا يعوض عن سلبيات الكاميرات في الأجواء الصعبة. كلفة هذا الجهاز عالية لكن في المستقبل القريب سينخفض سعره ليكون مجزي ماديا توفيره بالسيارات المباعة.

التقنية ما زالت في طور التطوير ومع تقدمها ستتزايد نسبة الأمان معها.  الجدير بالذكر أن حادث مثل هذا يساعد كثيرا في التعلم من الأخطاء وتطوير أنظمة السيارات الحالية والمستقبلية لدى الشركة، فيمكن لشركة تسلا أن ترسل تحديث برمجي مباشر لجميع سياراتها لتفادي مثل هذه المشكلة.

بعكس القيادة اليدوية التي لا يمكن معرفة تصرفات قائد المركبة معها بشكل كامل، السيارات ذاتية التحكم يمكن قراءة سجل أوامرها بشكل دقيق وعند التعلم من أخطاء سيارة واحدة يمكن تطبيق الإصلاح على جميع السيارات مباشرة وهذا يعني أن تحسن كفاءة هذه التقنية سيتم بوتيرة سريعة.

سجلت سيارات تسلا قيادة مسافة 210 مليون كم مجتمعة وهي تحت نظام القيادة الذاتية ونتج عن ذلك حالة وفاة واحدة فقط. إذا ما قارناها بإحصائيات حوادث السيارات عموما نجد أن السيارات ذاتية القيادة أأمن بكثير من القيادة اليدوية.

كما أن نظام الملاحة أو القيادة الذاتية Autopilot  المتوفر في سيارة تسلا غير مفعل تلقائيا وعند تفعيله من قبل صاحب السيارة يحتم عليه قراءة التحذيرات والموافقة عليها. التحذيرات تنص على أن هذا النظام تجريبي ويجب على قائد المركبة الانتباه للطريق دائما وأن يكون على استعداد للتحكم بالمقود والفرامل.

Ali AlSaibie
PhD Candidate,
Georgia Institute of Technology

علي الصيـبعي

باحث دكتوراه، معهد جورجيا للتقنية

تحديات الذكاء الصناعي – بمفهوم واقعي

أصدر مركز الأبحاث بجوجل Google Brain بشراكة مع شركة OpenAI البحثية وجامعتي ستانفورد وبيركلي.أصدروا تصورهم لتحديات الذكاء الصناعي من ناحية الأمن والسلامة على المدى المتوسط والبعيد . وهذه محاولة أولية منهم لرسم طريقة تفكير منهجي مقابل المخاوف العامة من الذكاء الصناعي. خصوصا وأن النقاش عن خطورة الذكاء الصناعي ومخاوفه في السنوات الأخيرة  لم يخرج من دائرة الافتراض أو التخمين ولم يبنى على أسس واقعية مباشرة – في غالب الأمر. وهذه خطوة طبيعية منهم، ليتمكن للباحثين في هذا المجال التعاطي مع هذه الصعاب بشكل علمي وتوفير الحلول المناسبة لها مبكرا.

اختصروا الباحثين التحديات في خمس مسائل، وفي شرحهم لهذه المسائل استعانوا بالمكنسة الروبوتية كمثال للتقريب.

  • تجنب الأعراض الجانبية السلبية
  • في أداء الآلة لمهمتها، كيف يمكن ضمان عدم تعرضها لمحيط العمل والتأثير فيه بشكل سلبي.مثال: قيام المكنسة بابعاد طاولة من على الطريق واتلافها  لأن ذلك سيجعلها تنظف الأرض بشكل أسرع، كون مهمتها الرئيسية هي التنظيف. وهل يمكننا تجنب مثل هذه السلبيات من غير التحديد بشكل يدوي جميع ما لا يجب على المكنسة تحريكه؟
  • تجنب الالتفاف على المهمة والهدف
  • كيف نضمن عدم التفاف الآلة على معادلة الهدف. فلو كانت المكنسة تكافأ على بيئة خالية من الأوساخ، فمن الممكن أن تطفيء نظام الرؤية لكي لا  ترى الأوساخ، أو تخبئ هذه الأوساخ تحت السجادة أو تقوم المكنسة نفسها بالاختباء لكي لا يراها أحد ويشير لها على مواقع أوساخ أخرى.
  • رقابة قابلة للتوسع 
  • مع توسع عمل الآلة وازدياد التعقيد في بيئة العمل يصعب على البشر توفير التدريب والرقابة للآلة بشكل مستمر. كيف يمكن ضمان تمكن الآلة من استخدام أقل قدر من التعامل البشري في مجاراتها لمهامها. فلو اضطرت المكنسة لرمي بعض الحاجيات التي لا تبدو ملكا لأحد، مقابل حاجتها لابقاء تلك التي تبدو ملكا لأحد كالفرق بين الحاجة لرمي قنينة عصير فارغة مقابل ابقاء هاتف نقال، فكيف يمكنها التفريق بينهما بما تملكه من معلومات أو عن طريق أقل قدر من الاستسفسار. هل يمكن جعل المكنسة تقوم بأقصى حد من العمل بدون ازعاج البشر بالأسئلة المتكررة؟
  • الاستكشاف الآمن
  • كيف نضمن أن لا تقوم الآلة بأعمال استكشافية لها دواعي سلبية. المكنسة على سبيل المثال عليها تجربة أساليب مختلفة للمسح والتنظيف، وهذا نوع من الاستكشاف. ولكن كيف نضمن عدم وضع المكنسة لقطعة قماش مبللة في وصلة كهربائية وهي تحاول تنظيفها.
  • كفاءة التأقلم على المتغيرات التوزيعية
  • كيف نضمن أن تتمكن الآلة من التأقلم على تغييرات البيئة المحيطة وتقوم بأداء مهامها بكفاءة مع هذه المتغيرات. فالاستدلالات التي تعلمتها الآلة في تنظيفها لورشة مصنع قد لا تنطبق على المكاتب.

 

ولكل من هذه التحديات الخمس وضعوا الباحثين بعض التصورات عن كيفية التعامل معها بالمفاهيم العلمية لتخصص الذكاء الصناعي. للمزيد يرجى الاطلاع على ورقة البحث المنشورة بعنوان Concrete Problems in AI Safety

Ali AlSaibie
PhD Candidate,
Georgia Institute of Technology

علي الصيـبعي

باحث دكتوراه، معهد جورجيا للتقنية

الأسلحة ذاتية التحكم: رسالة مفتوحة من باحثي الروبوت والذكاء الصناعي

إن كان هناك خطر من الذكاء الصناعي فهو يتجلى في الأسلحة ذاتية التحكم Autonomous Weapons. هذا النوع يمتلك إمكانية تحديد الهدف البشري وتتبعه وإطلاق النار عليه ذاتيا بدون تدخل بشري. التقنية حاضرة وهذه الأسلحة موجودة الآن. الشركات المصنعة لهذه الأسلحة مثل DoDAAM الكورية تضيف، بطلب من الزبائن، خاصية الموافقة البشرية على إطلاق النار. وهذه الخاصية إنما هي إضافية، ولا يوجد علم عن حالات تستخدم فيها هذه الأسلحة بدون خاصية الموافقة البشرية على القتل. الشركة المذكورة أعلاه تصنع سلاح Super aEgis II، قيمة النظام الواحد 40 مليون دولار، له القدرة على إيقاف شاحنة وإصابة هدف على بعد 4 كم. بيعت منه 30 وحدة وتمتلك أبوظبي وقطر وحدات عديدة منه لحماية المنشآت العسكرية والنفطية.

Super aEgis II
Super aEgis II

 إضافة الذكاء الصناعي على الأسلحة الفتاكة، يفتح باب واسع من التساؤلات الأخلاقية. انطلقت معها مناشدات عدة لوقف تطوير هذه الأسلحة منها تأسيس حملة إيقاف الروبوتات القاتلة في 2012. واليوم يوقع أكثر من ألف باحث في مجال الذكاء الصناعي والروبوت معهم شخصيات معروفة مثل ستيفن هوكنج، نوم تشومسكي، إليون مسك، ستيف ووزنياك وغيرهم، على رسالة مفتوحة مع بدء المؤتمر الدولي المشترك للذكاء الصناعي يطالبون بوقف تطوير هذا النوع من الأسلحة. أرفق أدناه ترجمتي لهذه الرسالة. وإن كنت من الباحثين في هذا المجال فيمكنك التوقيع عليها كذلك – حتى وقت الكتابة هذه.

الأسلحة ذاتية التحكم بإمكانها أن تختار وتطلق على الأهداف من دون تدخل بشري. قد تشمل هذه الأسلحة كمثال، طائرات متعددة المراوح مسلحة وباستطاعتها ذاتيا أن تبحث عن وتتخلص من أفراد بصفات معرّفة مسبقا. هذه الأسلحة لا تشمل صواريخ الكروز أو الطائرات بدون طيار التي يمتلك البشر القدرة والمسؤولية على التحكم في الأسلحة التي على متنها.

الذكاء الصناعي وصل إلى مرحلة أصبح فيها توفير مثل هذه الأسلحة ممكن عمليا، وإن لم يكن ممكن قانونيا، في غضون سنوات وليس عقود. والرهان على هذا المجال عالي، حيث أنه يتم وصف الأسلحة ذاتية التحكم بالثورة الحربية الثالثة، بعد البارود والسلاح النووي.

وجهات نظر عديدة تم طرحا سواء مع أو ضد الأسلحة ذاتية التحكم. بمقابل القول أن استبدال البشر بهذه الأسلحة جيد كونه يخفض من أعداد الضحايا، فهي سيئة كونها تستسهل عملية خوض الحروب. السؤال المطروح على البشرية الآن هو هل يجب أن نبتدئ التسابق العالمي للتسلح بالذكاء الصناعي، أم نمنعه من البداية. فلو بدأت أي قوّة عسكرية في التسلح بأسلحة الذكاء الصناعي فحينها سيكون السباق العالمي للتسلح بها أمر لا محال، ونهاية هذا السباق ستكون واضحة وهي أن هذه الأسلحة ستمثل “كلاشينكوف” المستقبل. فبخلاف الأسلحة النووية، فإن هذه الأسلحة لا تحتاج إلى مواد ثمينة أو صعبة التوريد ولهذا ستكون رخصية، سهلة التصنيع ومنتشرة بين جميع القوى العسكرية.

وما هي  إلا مسألة وقت قبل أن تسرّب هذه الأسلحة للسوق السوداء ونراها في أيدي الإرهابيين، عند الطغاة ممن يريدون التحكم بشعوبهم ومع أمراء الحروب ممن يطمحون للتطهير العرقي، الخ. فهذه الأسلحة مثالية للقيام بعمليات الاغتيال، في زعزعة استقرار الدول، في إخضاع الشعوب وفي القتل الانتقائي لبشر من أصول وأعراق معينة. لذلك نحن نؤمن بأن سباق التسلح بالذكاء الصناعي لن يكون من صالح البشرية. هناك سبل كثيرة لإفادة البشر من الذكاء الصناعي على أرض المعركة وخصوصا للمدنيين، من دون استحداث أدوات جديدة لقتل الناس.

غالبية علماء الأحياء والكيمياء ليس لديهم اهتمام في تطوير أسلحة بيولوجية وكيماوية، وكذلك أغلب الباحثين في مجال الذكاء الصناعي، ليس لديهم اهتمام في صنع أسلحة الذكاء الصناعي ولا يرغبون أن يقوم غيرهم بتشويه مجالهم البحثي عن طريق القيام بتطوير هذه الأسلحة، مما قد يُحدث ردة فعل عكسية من العامة على هذا المجال ويتسبب في تحجيم تطوره وحد الاستفادة منه في خدمة البشرية.

علماء الكيمياء والأحياء قاموا وبشكل واسع في دعم الاتفاقيات الدولية التي نجحت في منع تطوير الأسلحة الكيماوية والبيولوجية تماما كما فعل علماء الفيزياء في دعم الاتفاقيات التي تمنع الأسلحة النووية الفضائية وأسلحة الليزر المسببة للعمى.

باختصار، نحن نؤمن بأن الذكاء الصناعي له إمكانات عظيمة لإفادة البشرية وبطرق مختلفة وهذا ما يجب أن يكون عليه هدف المجال. البدء في سباق تسلح الذكاء الصناعي فكرة سيئة، ويجب أن تكبح عن طريق حظر الأسلحة الهجومية ذاتية التحكم من دون وجود قدرة تحّكم بشرية معتبرة عليها.

Ali AlSaibie
PhD Candidate,
Georgia Institute of Technology

علي الصيـبعي
باحث دكتوراه، معهد جورجيا للتقنية.

كفاءة ورُبُع

لا تشد حيلك وايد وتخرّب علينا – وتعني أننا، أيها الموظف الجديد، مرتاحون من الوضع “الفاسد” كما هو ولا نريد من أحد أن يعمل أفضل منّا ليظهر أننا مقصرين في عملنا. لا، هي ليست مقولة من الخيال أومبالغة وإنما تعكس ما يشعر به كثير من الموظفين الجدد في القطاع الحكومي ممن يحمل حماس العمل وروح الإنتاج بعد التخرج وأحيانا تقال لهم بالحرف الواحد.

الخريج الجامعي وإن كان متخرج من أرقى الجامعات في العالم يضل ضعيف الخبرة قابل للتشكيل والتأثّر بأداء من حوله، لذلك فإن أول سنوات العمل للشاب بعد التخرج هي الأهم في تشكيل خبرته وكفاءته من دراسته. بمعنى آخر أن خريج جامعة هارفارد بعد خمس سنوات عمل في وزارة “الحديد والصلب مثلا” بالكاد قدّم مشروع أو تعلم شيء من زملائه فيها لا نستطيع أن نقول عنه بعدها أن هذا الشخص من الكفاءة، فمؤهله السابق بعد هذه الفترة قد انتهت صلاحيته تقريبا وأصبحت مجرد شهادة والخبرة التي يحملها – سيئة لا غير. طبعا بالواقع خرّيج جامعة هارفارد الذي اجتهد للحصول على القبول والدراسة فيها سيكون أذكى من أن يدفن طموحه في مكان عمل سيء، لكنه مجرد مثال.

مخطئ من يظن أن الكفاءة تقف عند شهادة أو دورة ما. الشهادة تسمّى مؤهل فقط، ولكن خبرة العمل “الجيدة” – ضع خط تحت جيدة – مع المؤهل الجيد معا يحددان مدى الكفاءة. يظن المسؤولين في الدولة للأسف أن إعداد الكفاءة أوالقادة عبارة عن دورة قصيرة هنا وهناك وبعدها يصبح لدينا جيش من القادة وهنا إنما نضحك على أنفسنا قبل غيرنا بالقول أن البلد مليئة بالكفاءات، نعم هناك استثناءات ولكن الدول لا تبنى على استثناءات إنما تبنى على أساس المستوى العام.

السؤال الذي يجب أن نطرحه إذا، هل لدينا قطاعات عمل في الكويت تدار بمهنية وأمانة عالية تقارع المستوى العالمي بعيدة عن الفساد والواسطة وكفيلة بإنشاء جيل من القادة أصحاب الكفاءة؟ اترك لكم الإجابة.

رأيي الشخصي أن البلد ممتلئ بالموهلات، ممتلئ بالمبدعين، و ممتلئ بمن هم قابلين على التعلم والانجاز ولكنه يفتقد بشكل كبير إلى الأرض الخصبة السليمة لنموهم إلى مستوى نستطيع بعدها أن نقول عنهم أنهم كفاءة ونقارنهم ببقية العالم.

نمتلك الموارد الكافية لتأهيل الجيل القادم وأولها استثمارات البلد في الخارج فهي مكان مثالي لتنمية خبرة الخريجيين الجدد بعيد عن الفساد في البلد ولكن بشرط أن يكون تقييمهم هناك جدي ويعاملون معاملة الموظف العادي في هذه الشركات الأجنبية. أما ما يمكن عمله داخل الكويت فالخيارات كثيرة لكن بجميع الأحوال علينا أن نعامل القطاع أي قطاع كالمحمية الزراعية التي تنتج شتلات. الشتلات نعتني بها بعيدا أن أي شتلة مفسدة ولا نخرجها من المشتل إلا بعد أن تقوى وتستطيع أن تنموا لوحدها “نسبياً” في هذا العالم الشرس.

استذكر هنا شخص كان له تأثير إيجابي كبير في تشجيعي شخصيا وكثير من الشباب على العمل بعد التخرج في القطاع الخاص وخصوصا خارج الكويت وهو الملحق الثقافي السابق في واشنطن، الدكتور ميرزا حسن، حيث كان من أشد الداعمين للشباب على اكتسابهم لخبرة العمل في أمريكا بعد التخرج وعدم استعجال العودة وساهم في وضع مكافئة لمن يحصل على وظيفة في أمريكا بعد التخرج – لا أعلم إن كانت المكافئة ما زالت سارية.

 علي الصيـبعي

هوايتي: جمع متابعين بتوِتَر

محمد وسارة أخ وأخت في المرحلة المتوسطة ولكل منهما شغفه واهتماماته. فمحمد يعشق الرياضة وخصوصا كرة السلة وسارة تعشق العلوم والتكنولوجيا وكلاهما يرغب في ممارسة هوايات في ما يحبونه ودائما ما يلح محمد على أبويه بأن يشركاه بالنادي الرياضي وبالمقابل سارة تود الإشتراك بالنادي العلمي ولكن رد أبويهما دائما على هذا الإلحاح بأن المذاكرة أهم من تلك الأمور، هذا غير أنهم يقطنون في منطقة بعيدة يصعب على أبويهما نقلهما كل يوم إلى هذه النوادي.

بعد طول إلحاح استطاع محمد اقناع أبويه في الاشتراك بالنادي والتنقل إليه عن طريق الباص، ولأنه يسكن بعيدا عن النادي يكون أول من يمر عليه الباص في تمام الثالثة عصرا ثم بقية الأولاد إلى أن يصل إلى النادي بعد ساعة ونصف ولا ينتهي التمرين ويرجع إلى البيت إلا وأصبحت الساعة الثامنة مساءً، يكون حينها محمد منهكا لا يستطيع مذاكرة دروسه وحل واجباته، وفي خلال رحلة الباص الطويلة يخالط محمد أولاد يسبقونه عمرا ويختلفون عنه في التربية فيبدأ بسماع الألفاظ البذيئة  والتصرفات القبيحة من البعض ولا تمر فترة طويلة إلا ويأتي من الأولاد من يتحرش به ويؤذيه، فيكره محمد هذه التجربة ويفضل حينها البقاء في المنزل.

محمد وسارة ليسا حالة استثنائية فهما موجودان في كل بيت “وترك”. لكن أين الخلل وكيف نستطيع الحل؟

نعم، لدينا مؤسسات تدعم المواهب والهوايات تُرصد لها ميزانيات كبيرة وموارد وفيرة ولكن هناك خلل كبير في مدى وصول هذه الفرص بشكل عادل لكل محمد وسارة في البلد باختلاف ظروفهم الاجتماعية. يجب علينا بداية أن نعيد تقييم أهمية ودور الهواية والنشاط في تنمية الفرد والدفع بهذه الأمور بأن تكون جزء أساسي من منظومة التعليم في المدارس. ومن هنا أقول أن المدارس هي المكان المثالي لاحتضان النشاط وعليه يجب تحويل النوادي الرياضية والعلمية من كونها الراعي الحصري لهذه الأنشطة إلى مؤسسات تساعد في تهيئة البنية اللازمة لإقامة الأنشطة في المدارس من ملاعب وصالات ومختبرات، كذلك توفير الكوادر البشرية وتدريبها، وتوفير المواد والمناهج والمعدات اللازمة ومن ثم تظل مراكز هذه الأندية موجودة تستقبل النخبة والمحترفين من هؤلاء الشباب. كما تستطيع جهات آخرى المشاركة في تهيئة منشآت المدارس ومن ثم الاستفاد منها تجاريا بعد انتهاء المدرسة والطلاب في الفترة المسائية أو خلال عطلة نهاية الاسبوع.

عندما يكون النشاط في المدرسة تحت مراقبة من المدرسين والاخصائيين يطمئن أولياء الأمور على وجود أبنائهم هناك بعكس ذهابهم ووجودهم بالأندية الرياضية مثلا. المدرسة تكون قريبة من منزل الطالب عادةً ولا يحتاج حينها لأي مواصلات إضافية فهو يستطيع البقاء في المدرسة بعد انتهاء الدوام للمشاركة في نشاطه.

الجدير بالذكر أن وزارة التربية تطبق فكرة النشاط خلال الدوام الصباحي منذ عقود وتتفاوت نسبة فشل هذه الأنشطة من فترة لأخرى لأسباب، منها أن الإدارة وكثير من المدرسين ينظرون للنشاط على أنه موضوع ثانوي لا يستحق المتابعة الجدية والاهتمام  والبعض الآخر يراه فرصة للراحة وترك الأطفال “يلعبون” فلا وجود لمقياس علمي وموضوعي سليم لانتاجية ومخرجات هذه الأنشطة لأنها “غير مهمة” بنظر المسؤولين. وإن كان من المدرسين من يريد الانجاز يواجه بمشاكل قلة الميزانية ونقص المنشآت فيضطر إلى الدفع من مرتبه الخاص، ناهيك عن الاحباط الذي يصيب المدرسين المتميزين عندما يرون أن حالهم ليس أحسن من غيرهم “الكسول”.

من جهة أخرى، لا توجد آلية واضحة ومرسومة لهذه الأنشطة من أناس خبراء بهذا الشأن فتصبح إدارتها عشوائية، فتجد الطلاب مجبرين على اختيار أنشطة خارج ميولهم وهنا يتحول من كونه نشاط يفترض به أن يجلب المرح العلمي للطفل إلى مادة جافة مملة بالنسبة له، يقوم المعلم بالتلقين فيها بشكل منفر، فكيف نأمل الإبداع؟ وحتى إن انخرط الطالب في نشاط يحبه لا يلقى التدريب السليم كأن يطلب المدرس من طلاب نشاط الصحافة أن يذهبوا لإجراء مقابلة بدون تعليمهم الأسس السليمة والأخذ بيدهم، زد على ذلك وجود أنشطة سطحية ومضيِعة للوقت كبيع العصير و”البفك” في المقصف. هناك فرصة هائلة لتحسين هيكل النشاط المدرسي أثناء الفترة الصباحية بشكل أكثر جدية ومهنية. هل تعلم عزيزي القارئ أن طلاب الصف الأول والثاني ابتدائي غير مشمولين بهذا “النشاط”؟ كفانا تصغير لقدرة الطفل في التعلم.

على وزارة التربية  أن تحدد مواد ومناهج واضحة لهذه الأنشطة (مثل برمجة تطبيقات الهواتف، مبادئ الالكترونيات، الحياكة، ميكانيكا سيارات، أسس الكتابة على لوحة المفاتيح، رسم كاريكاتير، تصوير، مسرح، خطابة، مناظرات، الخ) وأن توفر التدريب السليم لمدرسي هذه الأنشطة  مع توفير المعدات والأجهزة اللازمة لذلك. كما على المختصين أن يرسموا الحدود المنهجية لكل مادة خلال الفصل من تعليم للأساسيات مرورا بتطبيقات عملية منظمة وانتهاءا بمشروع طلابي. ويقيَّمون المدرسين على أساسها تماما مثل تقييم بقية المواد النظرية إن لم يكن بشكل أكثر جدية، وهكذا، فمع نهاية العام الدراسي يكون الطالب انتهى من مادتين نشاط أو أكثر وتعلم شيء مفيد فعلا. حتى حصص التربية البدنية تحتاج تطوير كبير وتنويع في الرياضات عن كرة القدم وينطبق عليها ما ينطبق على بقية الأنشطة. مع ذلك تظل هناك أنشطة يهتم فيها عدد أقل من الطلبة وتحتاج اهتمام وتطوير أكثر بعد الدوام المدرسي. هناك إذا فرق بين الأنشطة الصباحية والمسائية، الأولى تركز على تنويع المهارات والثانية على تنمية الهوايات.

هناك عنصر آخر يمكن ويجب إشراكه في النشاط المدرسي (المسائي) وهم طلبة الجامعة، نعم طلبة الجامعة بإمكانهم العمل بشكل جزئي لدعم الأنشطة المدرسية فهم أقرب عمرا وفهما لطلبة المدارس ومازالوا مفعمين بالنشاط والأمل في الإنجاز والتغيير. ينفعهم هذا الأمر بقدر ما ينفع طلبة المدارس في تطوير خبراتهم قبل التخرج. فأما عن كيفية تنظيم مشاركة الطلبة فيترك هذا الأمر للجامعات نفسها، إن أرادت اعطاء وحدات دراسية مقابل هذا العمل أو مرتب جزئي، الخ.

في السابق كانت هناك عوائق تحيل دون توفير المختبرات والمراكز العلمية في المدارس  كالكلفة العالية للمعدات والأجهزة العلمية أوندرة المدربين. أما الآن ومع تطور التقنية وانخفاض سعرها بشكل كبير أصبحت في متناول الجميع، فمن الممكن توفير كمية كبيرة من أدوات التعليم في جميع المدارس وبمبلغ بسيط. على سبيل المثال، شركة TI- Texas Instruments  توفر لوح الكتروني مع معالج قابل للبرمجة بدينار ونصف فقط وعلى هذه القطعة يمكن تعليم الطلبة على أساسيات برمجة الالكترونيات، ومن يعلمهم ذلك؟ طلبة الهندسة الكهربائية والكمبيوتر من الجامعات كخيار. وهناك روبوت شركة LEGO  الشهيرة الذي تقوم على أساسه مسابقات عديدة (الصورة الأسفل) في شتى أنحاء العالم بين طلبة المدارس، وغيره من الأجهزة والأدوات.


باحتضان المدارس للأنشطة يمكن حينها تنظيم بطولات ومنافسات رياضية وعلمية بشكل أسهل ودوري بين مدارس المحافظة التعليمية، وهذه المنافسات لوحدها لها تأثير إيجابي كبير في تكوين الولاء والفخر عند الطالب لمدرسته بدلا من ناديه ولهذا عائد جيد من ناحية التحصيل العلمي. تستطيع كل مدرسة كذلك اختيار شعار رياضي محبب للطلبة كما هو معمول في المدارس الأمريكية مثلا وتوزع جوائز مادية ورمزية للفائزين ومدربيهم ومعلميهم كذلك.


مالكوم جلادول في كتابه Outliers يذكر قصة مفادها أن بيل غيتس إنسان ذكي نعم ولكن لم يكن لينجح هذا النجاح لو لم يولد في السنة المناسبة ومن عائلة غنية في مدينة سياتل. المدرسة الخاصة التي كان يذهب لها بيل كانت تمتلك كمبيوتر خاص بها، وهذا شيء نادر جدا في عام 1975. بيل كان يقضي وقتا طويلا على هذا الجهاز في مدرسته وقت لم يوفر لغيره وبذلك كان أعلم وأخبر من غيره بكثير عندما استطاع أن ينشئ شركة مايكروسوفت التي غيرت العالم.

أما محمد وسارة فهما الآن يستمتعان بقضاء وقت فراغمها بتجميع متابعين على توِتَر

————

شكر خاص للمُدرِّسة المبدعة بشاير الوزان على مساهمتها القيمة في هذا المقال.

علي